من متون البشري على هوامش الاستبداد

من متون البشري على هوامش الاستبداد

نَشْرٌ المقال في “العربي الجديد” بتاريخ: 26 مارس 2021

لا يزال النظام الغبي الفاشي والغاشم الطاغي في مصر يمارس أوضح علامات غبائه وغشمه. وقد جاء المقال السابق للكاتب في “العربي الجديد” (12/3/2021) على حبس هذا النظام صحافيا نابها. وكان يمكن له، لو استطاع أن يسكّن نفسه ضمن خانة الأنظمة الاستبدادية التي تتمتع ببعض الذكاء، أن يكسب نقاطا في ساحة التعبير المناسب، إلا أنه يصرّ على إدمان لغة العنف الباطشة، سواء كان هذا العنف رمزيا أم ماديا. ومن علامات عدم توفيقه كذلك ألا يهتم بفقدان القاضي الكبير والفقيه الجليل الحكيم، طارق البشري؛ فيما ينصرف إلى الاهتمام بسفاسف الأمور وخفّة الحوادث وتوافه الأشياء؛ بل مر هذا الحدث الجلل من دون أن يرد أدنى اهتمام من هذا النظام الفاشي على المستوى الرسمي؛ ليُسكن نفسه، بغبائه الشديد وطغيانه العتيد، ضمن أغبى النظم فاشية وغشما وغباء.

ومن المهم، في نهاية استعراض القراءة التتبعية لنص عبد الرحمن الكواكبي “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، وقد وصل صاحب هذه المقالة إلى المحطة الأخيرة في تشخيص الظاهرة الاستبدادية وطرائق التخلص منها، التوقف عند حكمة الحكيم، طارق البشري، حينما يكتب “المتون على هوامش الاستبداد”؛ وهو الداعي الى تأسيس علم لا يقل أهمية عن علم السياسة، وهو علم الاستبداد، لفهم أسبابه وقابلياته؛ وتشريحه وتفكيكه؛ والتعرّف على مواجهته وسبل التخلص منه. يقول الحكيم البشري “من معالم الاستبداد أن تنتقل الدولة من كونها تعبيرا عن جماعة وأداة للحكم بين الناس إلى التمركز حول شخص الحاكم، والتعبير عن مصالح نخبة ضيقة من بطانته، دونما اعتبار للناس ومصالح المواطنين. وتعني شخصنة الدولة أن النظام السياسي بمؤسساته يتحول من نظام قانوني يناط به الفصل بين الناس بالعدل وإدارة دولاب الحكم، إلى الاندماج في المؤسسات القائمة على التنفيذ المحض لإرادة الحاكم المستبد”.

نظام لا يهتم بفقدان القاضي طارق البشري؛ وينصرف إلى الاهتمام بسفاسف الأمور

وفي إطار تصوّرات النظام القانوني وتوظيفه في هذا النظام المشخصن “تسود في هذا النظام التفسيرات والاجتهادات التي تدعم الوضع القائم، وتفرغ الدلالات القانونية المرتبطة بعمومية القاعدة القانونية وتجريدها، فتفرغ القانون من هذا المحتوى الموضوعي ليصير ذلك مؤدى شخصيا ومشخصنا لصالح أفراد بعينهم ذوي علاقات شخصية برأس الدولة ومن يحيطون به. وعندما ينظر الباحث في خريطة الأنشطة الأهلية أو المؤسسات الشعبية والمدنية، ويدرس مدى وإمكانات حركتها حركة ذاتية فعالة حرة ومؤثرة في المجتمع بدون قمع لها من جانب لدولة، علينا ألا نستفتي المبادئ القانونية المجرّدة، وإنما يتعين علينا أن ننظر إلى المفاد والمؤدى الواقعي الذي صارت مؤسسات الدولة تتبعه في تطبيق هذه المبادئ والنظم والقوانين، وفق توازنات القوة السياسية والهيمنة الشخصية على مقدّرات الأمة”.

ومن خلال الدولة المشخصنة ومشروعها المستبد “بهذه النظرة، ننتهي إلى أنه ليس مسموحا بوجود مشروع خارج إرادة الدولة المشخصنة، ولا تُقبل حركة ذاتية لأي من التكوينات الأهلية، أو تُعطى أية مشروعية إذا كانت بعيدةً عن هذا الفلك المركزي، أو معارضة لمشيئة الدولة المشخصنة. وينتج عن ذلك ببساطة أن أي جهدٍ يبذل لإيجاد تكوين أهلي ذي إرادة ذاتية فاعلة، وأن أي تحريكٍ ذاتي شعبي، سيقف بأصحابه في دائرة العمل غير المشروع من وجهة نظر الدولة المشخصنة، وأن أي سعيٍ في هذا الشأن يكون سعيا في مجال العصيان، أي هو سعيٌ يُرى متجاوزا الضوابط والحدود التي تجمدت عندها إرادة الدول المشخصنة”.

من مواصفات النظام المتشخصن أنه “منغلق، لا ينفتح على خارج ذاته، ولا تقوم آلية ما لإجراء أي تعديل فيه أو تجديد”

المستبد القائم على الدولة المتشخصنة المستبدة “لا تربطه عائلة قبلية ولا نقابة أو جماعة دينية ولا حزب سياسي أو طبقة اجتماعية، وهو يسيطر بذاته على مفاتيح السلطة، وهو يتغلب على ضغط عمال الدولة عليه بأن يشخصن الفئة المحيطة به من العاملين معه بإبقائهم في وظائفهم أطول مدة ممكنة، بحيث تحل العلاقات الشخصية محل علاقات العمل الموضوعية، والمهم أنه لا يقوم من خارج إطار أجهزة الحكم ما يكون ذا تأثير عليه، ولا تقوم آلية ما للتبادل والتأثير معه إذا بقيت خارج إطار السلطة والوظائف الرسمية. والدولة هنا منغلقة من دون أية تفاعلات لعلاقة بينها وبين أية قبيلة أو طبقة أو دين أو طائفة؛ ومن ثم يحق أن يوصف هذا النظام بأنه ليس له مثيل في نظم التاريخ الحديث، إلا ما ندر”.

ومن مواصفات النظام المتشخصن أنه “منغلق، لا ينفتح على خارج ذاته، ولا تقوم آلية ما لإجراء أي تعديل فيه أو تجديد، وأي تعديل أو تنويع فيه إنما يرد بطريقة “الاستنساخ السياسي”، ونحن نعلم أن الاستنساخ البشري إما يكون بتخليق خلايا من جسم حي لتكوين جسم حي آخر يخلف المستنسخ السابق ولا يحمل فقط خصائصه وإنما هو أيضا يحمل عمره ومدى القدم الذي كان عليه الأصل حالة الاستنساخ، أي إن هذا المُنشأ الجديد لا يكون صبيا ولا شابا، وإنما يولد في عمر من أخذت منه الخلية. ومن ثم فلا تقوم في النظام المتشخصن أية قدرة ولا إمكانية على التجديد الذاتي، إنما يشكل فقط حالة من حالات الاستبقاء، بأي ثمن وبأي مقابل. وإن واحدا من أسباب الشخصنة هو طول مكوث الشخص في قمة العمل العام بذات سلطاته وصلاحياته وبغير تحدٍ يلقاه”.

مقالات ذات صلة

في تفكيك مقولة “الفساد ظاهرة عالمية” وأخواتها
الاستبدادالمقالات

في تفكيك مقولة “الفساد ظاهرة عالمية” وأخواتها

يتناول المقال ظاهرة الفساد وعلاقتها بالاستبداد، مؤكدًا أن الفساد ظاهرة شاملة لا يمكن اختزالها في الجوانب المادية فقط. يشير المقال إلى أن الخطاب المحيط بالفساد يحاول تبريره من خلال مقولات مثل “الفساد ظاهرة عالمية” و”الفساد وظيفي”، مؤكدًا أن هذه المقولات تساهم في تمرير الفساد بدلاً من مقاومته. يناقش المقال ضرورة مواجهة الفساد بكل أشكاله، مع التأكيد على أن الفساد لا يمكن تبريره بكونه جزءًا من مرحلة انتقالية أو ظاهرة نسبية.

ولع المغلوب وقابليات الاستبداد
الاستبدادالمقالات

ولع المغلوب وقابليات الاستبداد

يتناول المقال تفكيك مفهوم “الولع” في مقولة ابن خلدون “المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب”، مؤكدًا أن الولع كحالة نفسية جمعية يفسر ظاهرة القابلية للاستبداد. يشير المقال إلى أن الولع يعكس اعتقاد المغلوب بكمال الغالب، مما يؤدي إلى التقليد والتبعية. يناقش المقال أن هذه الحالة تُستخدم لتبرير الاستبداد، مع التأكيد على أن الولع يمكن أن يصبح جزءًا من الثقافة الجماعية ويؤثر على الوعي الجمعي. كما يؤكد على أهمية فهم دور التنشئة الاجتماعية والإعلام في تعزيز القابلية للاستبداد.

في تفكيك مقولة “المغلوب مولع بتقليد الغالب”
الاستبدادالمقالات

في تفكيك مقولة “المغلوب مولع بتقليد الغالب”

يتناول المقال تفكيك مقولة ابن خلدون “المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب”، التي تُستخدم لتفسير العلاقة بين الغالب والمغلوب في سياق الظاهرة الاستبدادية. يشير المقال إلى أن هذه المقولة تعبّر عن حالة نفسية وجمعية تتعلق باعتقاد المغلوب بكمال الغالب، مما يؤدي إلى الانقياد والاقتداء. يناقش المقال أن هذه الحالة تُستخدم لتبرير الاستبداد، مع التأكيد على أن ابن خلدون يرى أن هذا الاعتقاد خاطئ ويعكس “تغالط النفس”. كما يؤكد على أهمية فهم القابليات النفسية والاجتماعية التي تدفع المغلوبين لتقليد الغالبين.