يا حارس من يحرسك؟

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 7 يوليو 2015
كشف الحادث الإرهابي الذي تعرضت له القوات المسلحةالمصرية في سيناء ورد الفعل من منظومة الانقلاب وأذرعها عن العديد من الدلالات المهمة في هذا السياق فبعيدا عن هزلية الحادث ونفس النتائج، ورد الفعل نفسه المتأخر، والبلبلة في تناوله من إعلام أحمق الخطى والخطاب والخطايا، وحالة التخبط التي أصابت منظومة الانقلاب وأعوانها، كان لانتقادات واحدة من حرباوات الإعلام الانقلابي في مقطع فيديو انتشر مؤخرا في وسائل التواصل الاجتماعي والذي تضمن تقريعها للرئيس على اصطحابه لحرسه إبان زيارته للقوات في سيناء دلالات مركبة وكشفت عن الحالة التي وصلت إليها منظومة الانقلاب.
كان المنقلب قد قام بزيارة وحدة عسكرية في سيناء مرتديا الزي العسكري مطبوعا عليه اسمه ولقبه الجديد مصطحبا معه حراساته الخاصة بشكل كثيف وغير مسبوق مدججة بالسلاح ومرتدية سترات واقية من الرصاص ولم يرافقه خلال الزيارة أي من قيادات القوات المسلحة عدا محمود حجازي الذي تربطه به صلة نسب، وبينت الصور التي أشرفت على نشرها الشؤون المعنوية حيث كان يقف خلفه الحارس الخاص به، ويحيط به باقى حرسه حتى أن أحدهم كان يحمل سلاحه في مواجهة قيادات الجيش التي استقبلته خلال التقاط الصور معه.
هاجمت هذه الانقلابية هذا المشهد وتلك الحراسة المشددة وتساءلت “هو خايف .. واضح أنه قلقان .. أنك توقف سكيورتي وأمن .. حرس تبعك .. إيه الفزع ده .. ده معناه أنك تخاف وأنت وسط الجيش المصري .. أنت خايف .. ناس كتيرة بتتشائم من الموضوع ده .. خلي بالك .. خلي بالك .. والشيطان شاطر”.
امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالفيديو خصوصا لأنه يظهر المنقلب محاطا بحرسه الخاص كما سبقت الإشارة وعلق الكثيرون على الانقسام الذي يبدو أنه قد ضرب معسكر الانقلاب، وكيف يمكن للذراع “الإعلامية” الانقلابية أن تضرب في الرأس “المنقلب”، ودلل البعض بالزيارات المنفردة التي قام بها رؤوس الانقلاب للقوات المصابة بالمستشفيات أو الرابطة في الوحدات للتأكيد على اتساع مساحة الخلاف بينهم، وساهم الفيديو في ترسيخ هذه القناعات.
تفاعل العديد من المنتمين لمجتمع التواصل الاجتماعي مع الفيديو وقاموا بنشره على أوسع نطاق، وتصور العديد منهم أنه فيديو حقيقي ويكشف عن خوف وفزع المنقلب حتى وهو وسط زملائه ومرؤسيه، وتصوروا أن من الممكن لأحد الأذرع الإعلامية المشاركة بقوة في انقلاب الثالث من تموز/يوليو أن تنقلب عليه على اعتبار أن ديدن هذه الطغمة هو الغدر والخيانة وأنهم يقوموا بأدوار ومهام تطلب منهم ولا يعبروا عن قناعات أو مبادئ يؤمنون بها، كما أن انطباق الأوصاف التي أدلت بها الإعلامية الانقلابية القبيحة على واقع المنقلب ساهم أكثر من أي أمر أخر في اتساع رقعة المصدقين له.
ورغم أن هذا الفيديو وإن كان حقيقيا إلا أن المعني به كان الدكتور محمد مرسي أثناء رئاسته للجمهورية وليس المنقلب إلا أن مناسبته للظروف الراهنة وليس فقط حرفة القائمين عليه كما أشاع البعض ساهمت في سرعة انتشاره وتصديق الناس له، كان الفيديو معبرا أبلغ تعبير عن الوضع الذي وصلت إليه البلاد في ظل احتكار المنقلب لآليات القوة وعدم ثقته فيمن حوله حتى وهو مرتديا الزي العسكري.
ما تضمنه الفيديو من رسائل ومضامين أوسع بكثير من حقيقة أن الفيديو مزيف أو صحيح، فالحقائق التي لا يمكن إنكارها أن المنقلب ذهب إلى وحدة عسكرية مستصحبا معه وحدة عسكرية خاصة به لحمايته من الوحدة التي يزورها وكأنه يزور جيش الأعداء، كما يكشف الفيديو عن الفزع الذي بات يشعر به المنقلب حتى من شركائه في الانقلاب، وهو الأمر الذي يطرح أسئلة من مثل، كيف يمكن لمثل هذا الخائف أن يحكم أو يقود؟.
رغم أنه سعى من خلال هذه الزيارة لبث الثقة في الجنود وطمأنة الشعب المصري والإيحاء بأنه واحدا من جنود الشعب المصري إلا أن الرسالة الأوضح التي وصلت للناس من خلال هذه الزيارة أن المنقلب أخذ البلد رهينة لأحلامه وأوهامه.
عاد المنقلب للزي العسكري ليؤكد أنه حاكم عسكري قام بانقلاب على الشرعية وعلى الرئيس المنتخب وليخرس كل الألسنة التي تؤكد أنه رئيس مدني تخلى عن بدلته العسكرية يوم اعتزامه الترشح لمنصب رئيس الجمهورية.
ويطرح الفيدو العديد من الأسئلة والتي يمكن إجمالها على النحو التالي، إذا كنت قد جئت بمن يحرسك حتى من جنودك وضباطك وأعوانك ومقربيك بل من شركائك في جرائمك ممن نفذوا انقلابك ثم توحشوا بتوحشك وقتلوا وأبادوا وأحرقوا وعذبوا ونكلوا وخطفوا وأخفوا … كل ذلك بعمرك وقراراتك وقوانينك، إذا كنت قد جئت بهذه الأجساد والأسلحة لكي تحرسك … فمن يحرس هذا الشعب الذي قسمته وفرقته وحرضت بعضه على بعض؟ من يحرس الفقراء من جبايتك واستهانتك بمعاناتهم؟ من يحمي الطلاب والعمال والبنات والنساء والشباب؟ من يحميهم من البطش والإذلال؟ من يحرس الوطن من استخفافك بأمنه القومي وتحالفك مع أعدائه عيانا بيانا ومعاداتك لأشقائه وحصارك لهم وتآمرك عليهم..؟.
من يحرس الوطن من أكاذيبك وتلاعباتك بالأحلام والآمال وفناكيشك التي شوهت الوعي وتسعى بها لتهويد الشعب على الاستخفاف به والاستهانة بعقليته؟ بل من يحرس هؤلاء الشباب من الجنود والضباط والسيناويين وغيرهم من سياساتك الخرقاء وتوجهاتك المدمرة؟ ثم ألم تدع أنك انقلبت لحفظ أمن الوطن؛ فما للأمر قد اختزل في أمنك وحدك وحراستك وحدك وجرائم وحدك…
حقا… يا حارس انظر.. من يحرسك؟
لن يحرسك عضلات ولا أسلحة ولا أجهزة طالما جعلت من الظلم محيطا بك، لن يحرسك قضاء جعل من الظلم والعدوان على الحقوق قانونه وناموسه، لن يحرسك إعلام النباح مساء صباح مهما صورك بطلا أو هلل حولك، لن يحرسك تحالفك مع قوى خارجية مهما أرسلت إليك تطمئنك.
هكذا يحمل الفيديو دلالات ومضامين وأسئلة لا يمكن إنكارها بعيدا عن كلمات الإعلامية الانقلابية القبيحة سواء كانت موجه للدكتور محمد مرسي أو للمنقلب الذي بات يشعر بالخوف حتى من أقرب أعوانه وشركائه وهو ما يحمل دلالات خطيرة على مستقبل الوطن وقواته المسلحة، ومن هنا فإن رحيل هذا المنقلب لم يعد مطلبا للديمقراطية وحقوق الإنسان والشرعية فقط ولكن أصبح يصب في حماية بنية وأسس مؤسسات الوطن الأصلية وقواته المسلحة وأمنه القومي، فلا يمكن لهذا المشهد أن ينمحي من ذاكرة الوطن وقواته المسلحة إلا برحيل هذا الخائف المذعور.
الوسوم
مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.