مصر المحبوسة بين عزومة الماسة ووليمة العروسة

مصر المحبوسة بين عزومة الماسة ووليمة العروسة

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 30 يونيو 2015

الخطاب المنقلب يبدي كل يوم إصراره على وجهته الاستبدادية، وطريقته اللوذعية، ومسرحيته الهزلية، وأدائه المقزز والمستفز. ومع الملالة واتساع السخرية منه في كل مكان وفي كل مقام، إلا أنه يتمادى في إعادة العرض، وتقديم نفس الوصلات المحفوظة. ولذا فإن خطاب العزومة لا يحمل جديدا في هذه الحالة المأزومة ويحق فيها أن يقال (بل لا يشعرون)، هؤلاء (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا).

لمرة أخرى بعد مرات كثيرات يجمع المستبد المغرور أهله وعشيرته، هذه القلة المعتادة المعدودة، ويدعي هو وإعلامه كذبا أنهم مصر، وأنهم يمثلون كل مصر، ويخاطبهم بوصفهم مصر، وليس أوضح من هذا انقلابا واغتصابا، وافتراء وكِذّابا. ويكرر تصوير نفسه وحاشيته باعتبارهم حراس مصر، وكأن مصر لا تزال – بعد كل هذه الخروق والاختراقات – محروسة. مصر اليوم يا حراسها حبس ومحبوسة، مصر اليوم تحت نير استبدادكم واستعبادكم مدهوسة ومهروسة، مخالبكم وأنيابكم في جسدها وشبابها مغروسة، وراياتها وآمالها محطمة منكوسة. إن عزومة الماسة لا تمثل مصر، ولا تعبر عن الوطن، إن هي إلا عزومة على مائدة الاستقواء والإقصاء، مائدة الذين قسموها لشعب وشعب، وأراقوا بشوارعها وميادينها الدماء بلا وجل ولا خجل، ثم يعودون ليقولوا: إحنا مصر.

تتحدث عن الوحدة ونبذ الاختلاف والخلاف. يا هذا أنت من العسكر الذين من المفهوم أن يضيقوا بالاختلاف، لكن الحياة المدنية لا تقوم إلا على الاختلاف، والتعدد والتعددية، والتنوع والتوزع، ومن ثم التحاور والتجاور، والتشارك والتكامل، وأيضا التنافس والتدافع.. هذه المفاهيم لا شأن لك بها، ليست من قاموسك الوحشي ولا ناموسك الدموي، ولا عقليتك الحربية التي تحيل البلاد إلى ساحة قتل وحرق وقمع وخطف وإخفاء وتعذيب وتنكيل وانتهاك لكل الحرمات، وأيضا: تهتك ومجون وخلاعة وتعد على كل التقاليد والأعراف والقيم والثوابت.. هذا معجمك، وهذه مفردات الدنيا التي تريد لمصر أن تكون (قدها)..

تضج وتخاف وتتحسب وتقلق من الاختلاف حتى تحت مظلتك، لا تطيق أن تسمع في مصرك صوتين، ولا تتحمل أن ترى فيها صورتين، فقط صورتك وصوتك، فقط شعبك وأهلك، فقط ظلمك وجورك، وتزييفك وكذبك.

تتساءل عن الإضاءة والأنوار حولك لم هي كثيرة؟ أنسيت أنك في (الماسة)؟ إن إضاءة نجفة واحدة فوق رأسك تكفي إضاءة حي بكامله، ومع ذلك تفتخر وتعد هذا إنجازا، وتتظاهر أنه لم يكلفك شيئا، وكان عليك هينا.. هل تصدق نفسك؟ أم تعيش وتغوص وتغرق في أوهامك وتخيلاتك؟ ثم تتحدث عن حفر (قناة السويس)؟ هكذا.. وكـأنها قناة كالقناة؟ وتتساءل من عملها؟ ومن أتى لها بالأموال؟ بالطبع أنت أيها المغوار! ولكن من أين وكيف وما الثمن؟ ومن يراقب ومن يحاسب؟ تتفاخر بما يستحق الخزي، وتمن علينا أن استعبدت الناس واتبعت هواك وأنك تعبث بلا رقيب ولا حسيب. أهذا كشف حسابك؟ أهذا ما تمخضت عنه سنتان من البلاء والغلاء والدماء والأشلاء والسجناء والتخلف والفناكيش..؟

ثم تتحدث عن الشعب المضطهد بأسلوب الوعد المشروط بالاستسلام والوعيد المذكر بالويلات والآلام؟ منطق (تعيشوا وتفتكروا) والتذكير بالمذابح والمخازي من باب التوعد بتكرارها هل يصلح ذلك لبناء دولة أو تجديد لجمة وطن؟ هل يصلح ذلك إلا بين عصابات الإجرام ومجموعات الانتقام؟ هل يمكن لأي من “الألاضيش” أن يدافع عن هذا المنطق بأنه يتعلق بدولة ومؤسسات وقانون ومبادئ عيش ومشروع مستقبل مشترك؟ هل تحسب أنك يمكن بعد كل ما فعلت أن تكون جزءا من هذا المستقبل إذا أشرق أو أبرق فضلا عن أن تكون في سدته؟ هل تظن أنها مزحة مقبولة وأنت تتحدث عن أربع سنين، أو عشر أو ما إليه؟ إنك لا تعرف واقعا، ولا تقدر متوقعا، وستبقى مكانك لا تراوحه منكفئا على جماعتك أهل العزومة لا العزيمة.

وتتحدث عن البرلمان بالطريقة ذاتها: طريقة (يا بخت من وفق راسين في الحلال) ولا حلال! (وامش في جوازة..)، وهي جنازة، طريقة (العروسة للعريس) والبلد للمتاعيس، ولا تجد هذه الطريقة الهزلية من الأبواق المأجورة إلا التهليل والتطبيل.. آه لو قالها غيرك لكانت أبواقا مسعورة. تريد برلمانا على مقاسك أو مداسك؛ مقاس الذي يتحسب ويقلق من الاختلاف، ولا يرى معنى للائتلاف إلا في استبداده. لسان حالك المتعسكر حتى النخاع يود لو استدعيتهم للاحتياط، أو جندتهم من مراكز التعبئة والتجنيد، ولا أدري لم كل هذا الخوف وكأن آلة التزوير العاملة بكل طاقتها سوف يفلت منها واحد أو اثنان! يا هذا، إنه خوفك الذي صرحت به، خوفك الذي صنعه حيفك، ظلامك الذي أحله ظلمك، قلقك الذي فجرته الدماء ولا تزال.

فلا تمن علينا بما تسميه عفوا عن (الشباب)، فالشباب لا ينتظر منك عفوا، ولا يرجو في استبدادك واستخفافك واستعلائك صفوا،.. إنما يحلمون بمستقبل لا تكون أنت فيه، وبوطن زال عنه الخوف والظلم والتوحش والاستبداد..

إن مصر المحبوسة في قاعة فندق الماسة ليست مصرنا التي نريد، إن مصرنا المحروسة لا يحرسها جبار عنيد، إن مصرنا العروسة لا تقبل هذه الولائم المغموسة بدماء المصريين وآلام المستضعفين.. إن مصرنا هي مصر يناير التي تصر على ذبحها، والتي سوف تبقى هي وتزول المكائد والخبائث من حولها..

وشباب العزيمة لا تخدعه العزومة، ورجال الهمة في الملمة لا تغره وليمة وكلمات تنضح بالأباطيل.

مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
المقالاتعامة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء

يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
المقالاتعامة

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة

يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
المقالاتعامة

مسيرة العودة وصفقة القرن

يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.