كيف تهبط الطائرة.. كيف تُنهى المؤامرة؟

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 22 نوفمبر 2015
أظن أنه قد اتضحت بعض الحقائق بالنسبة للانقلاب، وكيف تم تدبيره، وكيف يجري تسييره، وكيف جرى التأثير على خططه ومسيرته ومن ثم نلمح شيئا من مصيره؟ فأنا الذي أحذر من الانغماس في نظرية المؤامرة سواء الكونية أو المحدودة ورد الظواهر إلى خطة سرية محكمة كما كتبت أكثر من مرة، لا شك اليوم عندي في أن ما قام به منقلب ومغتصب مصر يوم 3 يوليو 2013 إنما وقف وراءه خطة أو مؤامرة غير محكمة، أريد بها ضرب الثورة أولا، والانتقام ممن حملوها وتصدروها وخاصة باستئصال تنظيم الإخوان والتخلص من الرئيس ثانيا، وإقامة فترة حكم عسكري حتى تعود البلد (لأصحابها ومالكيها القدامى) ثالثا… وكانت الخطة معدة بأن المقاومة لن تلبث إلا قليلا ثم تنقشع ويتعلم المصريون الدرس: ألا يرفعوا أعينهم في وجوه سادتهم ويعرفوا مقامهم مقام العبيد بعد ذلك وإلى الأبد.. لكن الله تعالى لا يصلح عمل المفسدين ولا يهدي كيد الخائنين، فلم تكتمل الخطة ولم تنجح الصدمة في إنهاء المعركة على الفور وأتت الرياح بما لا يشتهي السفن العفن.
ركب المنقلبون طائرة الانقلاب على الوطن والاغتصاب ومعهم وصفة الإقلاع والصعود بها، هازئين بأنهم لن يحتاجوا إلى وصفة التسيير غافلين بفعل الاستكبار والثقة الزائفة بالنفس بأنهم سيحتاجون لوصفة الهبوط، ومن ثم تحول انقلابهم بعد 3 يوليو إلى قمة المسخرة والكوميديا السوداء. حاولوا أن يقلبوها دراما دموية تغطي على خيبتهم وخستهم بأن البلاد في حالة حرب على إرهاب محتمل فمفتعل، وأنها تضيع وفي حاجة إلى عسكري منقذ بطل، وأنها ستحتاج إلى فترة قبل أن تخرج من وحلتها التي أوقعها فيها عام من حكم الإخوان لا ستون عاما من حكمهم العسكري الظاهر والعميق، وأسقط في أيديهم أمام أيام وليال من المقاومة لخطتهم والرفض الصامد صمودا أسطوريا ومحاصرة المخاوف لهم من كل مكان في الداخل والخارج، حتى انكشف ما في جعبتهم من فراغ وخبل وجنون واستعداد لبيع الوطن وقتل المواطن وتضييع الحاضر والقفز إلى مستقبل مجهول.. في سبيل العثور على خطة بديلة لتسيير الطائرة وسط العواصف والرعد والبرق..
يعرضون الوطن للضياع ضمن سياسة حافة الهاوية التي تستهوي كل مستبد عنيد: نحن أو الفوضى.. نحن أو الإرهاب في الداخل والغزو من الخارج.. هم بدناءتهم وحقارتهم وفسادهم ووحشيتهم وتخلفه وفشلهم أو يتم إغراق الوطن في مسار مجهول.. وعلى الشعب أن يختار بين الشرين والمرّين والضياعين والخرابين.. لكن الوقت ليس في صالح المتآمرين، فالأيام لها حكمها والأحوال لها سننها.. فظهرت كل يوم عوراتهم.. من فشل إلى فشل، ومن فنكوش إلى فاشوش، ومن طرطور إلى مهطول، ومن كلينكس إلى قراطيس، ومن تعطيل فتعديل دستور إلى كشف المستور، ومن معونات الرز والحبايات إلى أزمات لا تلد إلا أزمات.. وأسقط في أيديهم أكثر وأكثر: فمن تآمروا لتحضير العفاريت عاجزون عن صرفها، وليس معهم وصفة لكيف تهبط الطائرة أو كيف يتم تقفيل المؤامرة.
جاءت واقعة الطائرة الروسية لتشير رمزيا إلى كل ما سبق: المنقلب عاجز أمام حادثة أمنية وهو الذي يقدم نفسه بوصفه رجل الأمن والعسكرية والمخابرات المنافح عن أمن الوطن وضد التدخل الأجنبي وصاحب المؤسسة الأمنية والمعلوماتية الجبارة التي أسرت قائد الأسطول السادس الأمريكي ويهابه الأمريكان والأوروبيون ويتقرب إليه الروس والخليجيون طمعا في حمايته وقت الخطر.. أليس هو من أطمعهم بقولته الواثقة (مسافة السكة)؟ فما له موحول في العريش ورفح لأكثر من سنتين، ثم ينتقل بوحلته إلى شرم الشيخ والمطارات المصرية؟ وهو الموحول في مياه الإسكندرية وفي صراعات مع إعلامه الزائف ورجال أعماله الفاسدين وشعب يصفعه على قفاه في مسرحية الانتخابات الهزلية باثنين في المائة، ومشروعات شحن لها الجميع كالقطيع ثم لا يكون وراءها إلا كفتة وتراجع في إيرادات القناة، الخ هذه المطبات التي تتخبط فيها الطائرة.
حقوق الإنسان في خطتهم كانت تلعب دور الضحية الأولى، فالانقلاب العسكري يبدأ بقتل الحقوق ويصل لقتل الإنسان والإنسانية بلا أدنى تورع أو تفكير أو وخزة ضمير، لكن الحقوق من الحق، والحق له سلطانه، والإنسانية لها منطق حاكم يكمن لكنه غير قابل للإفناء أو الاعوجاج به.. فانفجرت في وجه الانقلاب موجات متتالية من الامتعاض والاستياء، فالقرف والملل، فالكراهية والبغضاء، فالرغبة في القصاص والانتقام.. ونزع الناس أيديهم من يديه فلا معاونة ولا نصرة ولا تأييد، وما صور الانتخابات منا ببعيد، وتفكك التحالف الآثم، ولم يعد يحكم المنظومة أمل في غد أو تصديق لوعد.. ليس إلا الخوف من جنون قائد الطائرة وطاقمه الأهوج أن يسقطها في واد سحيق أو يسلمها لعدو أسوأ منه، ليس إلا الخوف من بطشه أن يصل إلى البطش بالوطن نفسه لا مجرد أعداد من الأسرى أو الشهداء أو المطاردين..
ولذا فالمقاومة الرافضة للانقلاب المطالبة بعودة المسار الديمقراطي هي نفسها تتحرك وهي وجلة مترددة من أن تؤدي المقاومة نفسها والرغبة في إسقاط المؤامرة إلى التعجيل بإسقاط الطائرة، ولكن ليس من المفترض أن نستمر في التردد أو أن نقبع مستريحين لحالة الحيرة التي ربما تنم عن خلل نفسي أو عقلي لدينا..
كيف تهبط الطائرة؟ وكيف نسقط المؤامرة؟ كيف ننقذ الوطن من المجنون؟ ونحافظ عليه من خيار أو مسار مجنون؟
لن نخترع العجلة، ولن تأخذنا العجلة. لابد من تفكير استراتيجي هادئ صادق قائم على خبرة بالأمر وعبرة من السنوات الماضية.
الهبوط الآمن له شروط لابد من تحضيرها: تجاوز الاستقطاب إلى الاصطفاف، والاصطفاف صناعة توافق لا تعني التماهي أو التطابق. ثم الاتفاق على صيغة لإنقاذ الوطن من الانقلاب وما تحته من توحش وعمليات لتصنيع الخوف وتكريس الفساد وحماية الفشل من جهة وما وراءه من تبعية بل عمالة ونذالة بالتآمر مع الخارج، وثالثها صيغة لمرحلة انتقالية قبل التحول الديمقراطي الكبير، الانتقال نحو تحرير الإرادة الشعبية وإزالة قيود النخب والتكوينات السياسية عن الخيار الشعبي باعتباره المرجعية السياسية للوطن ومستقبله.
وللحديث بقية، إن كان في العمر بقية.
الوسوم
مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.