قمة “سد الخانة” على “طريق المهانة”

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 26 يوليو 2016
من المؤسف حقا أن تصل القمة العربية إلى أدنى الدركات حينما تلتئم في موريتانيا بين دول عربية في قمة دورية ولا تعبّر عن أي هوية، قمة تحصيل الحاصل بلا أجندة حقيقية، على الرغم من أن حال العرب وأزماتهم تشير إلى أنهم في أسوء حال وأحط مآل، وقضاياهم متروكة أو مغفلة دون أفعال، غائبون في أخطر مجال، وهي حال رغم تعدد القضايا التي تستأهل قمما لا قمة واحدة إلا أنه كيفما اتفق لم يذهب الرؤساء أو الملوك إليها، وكان التمثيل فيها من قبيل سد الخانة، ابتدأت القمة بفائض الكلام تتحدث عن كل شيء ولكنها في حقيقة الأمر لم تفعل أي شيء، فبلاد العرب صارت ساحة للصراعات أتى إليها الشارد والوارد واستهدف عموم الناس بالقتل والتدمير في كل الأرجاء، صار العرب موضوعا لا فاعلا، مفعولا به بل مفعولا مطلقا، وفشلوا في أن يكونوا حتى مفعولا لأجله، حال العرب لا يسر وفعلهم يضر.
لا نقدم مرثية، ولا نبكي على الأطلال ولكن في حقيقة الأمر هؤلاء القابعون على كراسيهم يملكون بحكم مناصبهم وتصدرهم القرار، ولكنهم في حقيقة الأمر فاقدو الخيار والقرار، المشاكل حالة والضرورات قائمة، ولكنها تستمر بلا حل ومن دون عمل، تتواطأ بلاد العرب على نفسها ومع غيرها، لم تقترب من مشكلة واحدة أو أية قضية بمشروع حلول أو بعمل مقبول أو حتى بتفكير معقول ولكنها تتلكأ في كل عملية، وتتثاءب في كل قضية.
ها هي القضية الفلسطينية محل كلمات هنا أو هناك، هذا يقول إنها القضية الرئيسية وذاك يدلي بدلوه من أنها القضية المحورية، ولكنه فائض كلام مسكون ببيع الأوهام، منفوخ القول لكلام أجوف لا يقدم ولا يؤخر، بل هو في الحقيقة يؤخر كثيراً، لأن حقيقة الفعل لا تؤشر فحسب على وهن العرب واستهانتهم، ولكنها تشير من كل طريق على فعل يضاد المصالح ويجلب الأضرار، أمة صناعة الضرر، فمعظم الدول العربية تتحدث في العلن عن القضية الفلسطينية ولكنها في حقيقة الأمر تقوم بكل ما من شأنه موالاة العدو والسير على طريقته بل وتبارك عمله وتطبع معه، ليؤشر كل ذلك على مسالك الخزي والعار، حتى تلك الدول التي حرصت على ألا يكون لها علاقات مع الكيان الصهيوني، ترسل الآن مبعوثيها متخفية، وتمتهن كل شأن يتعلق بثوابت صراع مصيري مع هذا العدو الصهيوني.
هل أتاك حديث زيارة “أنور عشقي” للكيان الصهيوني، زيارة كشفتها إسرائيل لضابط سابق في المخابرات السعودية والذي عقد عدة اجتماعات مع مسؤولين إسرائيليين، وأضافت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن المسؤول السعودي التقى “دوري جولد” المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية وأعضاء من الكنيست معارضين، وأضافت الصحيفة أن عشقي وصل إلى إسرائيل على رأس وفد سعودي رفيع المستوى، ضم أكاديميين ورجال أعمال، ولفتت الصحيفة إلى أن الوفد السعودي ناقش مع الإسرائيليين سبل دفع عملية السلام على أساس المبادرة العربية للسلام، في ظل استراتيجية انبطاح كامل ضمن عملية السلام الدافئ، وماذا ترى عن دول صارت لا تقوى حتى على الشجب والانكار حينما يتعلق الأمر بالمسجد الأقصى وبيت المقدس، يهان كل شيء في فلسطين ويقول الجميع رغم هذا إن القضية الفلسطينية هي القضية المحورية، يبيعون القضية ثم يتحدثون بزخرف القول عن أهمية القضية.
هل أتاك حديث سورية وأحوال أهلها البائسة حينما تستهدف “حلب” ليل نهار بالقتل والتدمير ويقتل المئات بل والآلاف ويستهدف الأطفال والشيوخ بلا أدنى حركة أو فعل، فقط يمارسون رياضة الكلام ويستعرضون عضلات الألفاظ، ظاهرة صوتية، ولكنهم لا يفعلون شيئا لأولئك الضعفاء لأولئك المنكوبين، وكأننا في كل مرة نتحدث عن النكبة، ونتحدث عن النكبات مجدداً، حتى استحق الأمر أن يكتب سفرا عن بلاد العرب في علم النكبات العربية، لم تعد الشعوب تعول على قادتها لأنها تقتل بدم بارد ثم تخرج آلة الكلام لتبيع الأوهام، ويلتئم القادة في قمة مزعومة لأمة مكلومة ليواصلوا فعل الكلام والسلام.
هل أتاك حديث استباحة ليبيا من دول أجنبية وطائراتها الحربية والعمل على إفشال أي نوع من الاستقرار في كل شبر من ليبيا، وتتأمر بعض الدول العربية ضدها وتتدخل في شؤونها وتمول ضربها وتخريبها، وتساند وتدعم منقلبيها وحفترها، ماذا يعني كل ذلك؟ إلا أن تجتمع دول الخراب لتخريب أوطانها، وتمارس أقصى درجات النفاق في كلامها، وتفضي بأحط الأفعال في ممارساتها، لا أحد يردع هذه الدول ولكنها تمرح وبإسهامها في خراب هذه البلاد وأهلها.
هل أتاك حديث أهل اليمن في حرب أهلية طويلة، لا يعرف متى يخرج أهلها منها، هؤلاء الذين قاموا بثورة سلمية على مستبديهم الذين استهانوا بالوطن وأهانوه، ولكنهم لا يزالون يمرحون، يقتلون ويتقاتلون، يخربون اليمن ويتضور أهله جوعاً، من لم يمت بالحرب يموت مخمصة، وتستمر الحرب ويشيع الاقتتال، وكأن هؤلاء لا يريدون إلا أن يدعوها خراباً يباباً، حساباً وعقاباً على ثورة سلمية أرادوها، ولكنهم يخوضون الآن حرباً لا يعرف لها حد أو نهاية.
هل أتاك حديث العراق وقد بات مشرذماً مقسماً يتقاتل أهله، ويفجر من بعض طوائفه لتقاتل بالكراهية وتقتل على الهوية، وها هي المفخخات وما أدراك ما المفخخات، قتل وتدمير يستهان فيها بالأرواح كل استهانة وتستباح الأعراض بكل مهانة، أهذا هو العراق الذي كان قوياً مهاباً في ذاكرة التاريخ، ما له الآن يتضعضع ويضعف ويتهاوى وتدار على أرضه حروباً لا تنتهي، لم تسلم مدنه ومآذنه، المدينة تلو الأخرى مدمرة، وتبدو الأمور متدهورة، بلا أمل في نهاية أو مخرج، استسلام كامل لقتال لا يعرف له نهاية.
هل أتاك حديث مصر ومنقلبيها الذين دمروا الوطن وخربوه، وأهانوا كل قيمة فيه، وتقزمت كل مكانة له، وتكرست أفعال الإهانة والهوان والوهن والمهانة، ومع ذلك سنرى العجب العجاب رئيس منقلب يعتذر عن حضور القمة بدعوة عدم تأمينه واستهدافه، إن الظلم مؤذن بخراب العمران هكذا يفهمنا ابن خلدون ويفهم كل إنسان.
في هذه القمة ستجد أن الجميع بشكل مباشر أو غير مباشر يعملون لمصلحة إسرائيل وصهيونيتها العنصرية، إلا أن الجميع سيظل يهتف بأن القضية الفلسطينية هي القضية المحورية، أضاعوا فلسطين ودمرت العراق، وقتل وهجر أهل سوريا، واليمن السعيد في أتعس حالاته، وليبيا مستباحة، ومصر يعشش فيها الظلم، ودول عربية ومتصهينة العرب يتسابقون للتطبيع مع إسرائيل بزيارة مودة ووئام وبكلام يتحدث عن السلام، السلام في عرفهم انبطاح يقر للمغتصب اغتصابه ويجعل المقاوم محصوراً في الزاوية يضعفون قوته وقواته، ويحاصرون أهلها وحاضنتها، المقاومة ليس لها من مكان في عقل هؤلاء، إن كان لديهم بقية من عقل، الأقوال جوفاء خاوية مسكونة بالوهن والإهانة، المهانة خيانة، والفعل فعل ندامة، وانحدرت المكانة، والانبطاح هو السلام وفي النهاية على الأمة العربية السلام!!
الوسوم
مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.