قتل الطاغية.. دروس وعبر

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 5 ديسمبر 2017
تأتي السنن في كل مرة لتؤكد اضطرادها وانطباقها، ولتؤكد أنها سنة ماضية لن تجد لها تبديلا أو تحويلا. إنها سنن تتعلق بنهاية الطاغية.. إنها سنة النهاية الفرعونية في ذروة عزه وصولجانه، واستناده وارتكانه إلى احتياله ومكره، حتى أنه سمي بالمستبد الذي يلعب على رؤوس الثعابين.. في ظل ذلك، يقع الطاغية صريعا بلا حساب منه وبلا استدراك.. السنة نافذة لا محالة، ذلك أن الطاغية يطغى عليه كل شيء، حتى يظن أنه يستطيع أن يدبر كل شيء، ولكنه في حقيقة الأمر لا يملك من أمره شيئا.. إنها الحقيقة الكبرى التي تؤكد أن الطاغية ينازع الكبرياء ومن ثمة يقصمه الله، من غير حسبان من الطاغية أو تدبير.. هذا هو حال الطاغية.. امتلاء بالكبر والعظمة، واستغناء بالتفكير والتدبير، والظن بالقدرة والهيمنة، ولكنه ينسى أنه قد يقع في قبضة أضعف الناس؛ ليُنهي حياته بمشهد مهين يدل على الضعف الخطير والوهن الكبير.
قصة الطاغية هي قصة فرعون.. هل أتاك حديث القذافي؟ وحديث علي عبد الله صالح؟ وحديث بشار الآتي؟ وحديث السيسي الفاشي؟.. طغاة من طغاة استخفوا بحياة الناس، فاستباحوا النفوس، وتلاعبوا بالشعوب، وقتلوا واعتقلوا وطاردوا وسجنوا، وفعلوا كل ذلك بدم بارد؛ في لعبة السلطة والحفاظ على الكرسي.. حقيقة الأمر؛ لا بد أن يأتي المشهد بمثل هذا الجزاء والعقاب الذي تشهده الناس، فيطمئنون إلى حساب السنن. فمهما كان الطاغية ووصل إلى الحال التي تحدثه نفسه بأنه لن يقدر عليه أحد (أيحسب أن يقدر عليه أحد)، يناله الموت من أقرب طريق؛ وقد اعتقد الخلود والعظمة والكبرياء.
هذا الأمر تتولد عنه سنن أخرى غاية في الخطورة والأهمية، منها تلك السنة المتعلقة بتولية الظالمين بعضهم بعضا. ذلك أن الظلمة يتحالفون ويقتلون بدم بارد، ولكن على أهون الأسباب يحدث الخلاف بعد أن عقدوا الأحلاف. ولكن كل ذلك من جملة تسليط الظالمين على بعضهم البعض، فيختلفون بعد أن تحالفوا على حمل السلاح، وأسروا شعبا بأسره، وبددوا أحواله، وانتشرت الأوبئة وأُبيد الناس.. شعب تحت التهديد.. شعب تحت الابادة، فعلوا كل ذلك، ودخل الطرف الآخر، الممثل في التحالف، الحرب، ولكنه لم يفعل غير أن زاد الطين بلة، ففرض الحصار، وتضرر الناس، ومات الضعفاء، تارة من الجوع وتارة أخرى من انتشار الأوبئة، وحينما حانت ساعة الخلاف، فات على عبد الله صالح أنهم (أي الرفقاء من الحوثيين) لا يتعاملون إلا بالسلاح.. لغة السلاح تسيطر على كل شيء، وصوت الرصاص هو الصوت المسموع لا يعلوه صوت.
وحينما يختلف هؤلاء، وقد امتشق كل منهم سلاحه، فلا يجد إلا هذا السلاح ليعبر به عن غضبه أو اختلافه.. الأمر يصل إلى حد القتل. علي عبد الله صالح الذي اعتقد أنه أفلت من قصاص الثورات، وأفلت من الاستهداف الأول رغم الإصابات التي لحقت به، وعاد مرة أخرى ليمارس كل صنوف مكره واحتياله، وكل أنواع كبره وغروره.. في هذه المرة لم يفلت في موكبه، وأطلقوا على رأسه الرصاص.. رصاصة لا تساوي الكثير، ولكنها أصابته في مقتل. هذا هو ثمن الطاغية، ذلك الذي قتل الآلاف، واستخف بالأرواح.. أتاه مصيره من حيث لا يحتسب.. من حلفاء كانوا له العون بالأمس، فإذا بهم يصيرون بين يوم وليلة؛ أعداء، فاستطاعوا النيل منه.
هل يعي كل المستبدين هذا الدرس؟! أم أن طغيانهم قد طمس على عقولهم وختم على قلوبهم، فصاروا لا يسمعون لأحد إلا صوت طغيانهم، ولا يمتثلون إلا لكل عناصر كبرهم وتكبرهم؟ الطاغية يطغى عليه كل ما يتعلق بجبروته الفاشل، وجرأته الطائشة.. وهو يستخدم كل ما من شأنه أن يجد له موضع قدم لتثبيت سلطته وسلطانه. ولكنها موازين قوة، وحينما تتدافع وتتفاعل فسنرى تعبيرات مغلوطة ومقلوبة. فهذا عبد الملك الحوثي يتحدث عن نفسه بأنه الدولة، ويتحدث عن صالح بأنه مليشيا.. وهم (الحوثيون) وصالح وأتباعه في حقيقة الأمر عصابات ضالة؛ امتلكت السلاح وعاثت في الأرض فسادا، متصورة أنه بقتلها واقتتالها في صراع على سلطة؛ لم تؤد في النهاية إلى انتشار الوباء والإبادة الجماعية التي تتعلق بشعب بأسره.. ويُحكم الحلقة حصار أرعن وغبي من دول تحالف لا تقيم وزنا لأهل اليمن التعيس (السعيد سابقا)، فيقتلون ويحاصرون.. يموت هؤلاء جوعا أو مرضا.. تخرج أجهزة النفاق الدولي لتتحدث عن مشكلة إنسانية خطيرة تتعلق بشعب اليمن، وتوزع الاتهامات ،وقد كانت هي من نسجت خيوط الحرب الأهلية التي تحدث على أرض اليمن.. كل هؤلاء متآمرون ومتواطئون على أن يبيدوا شعبا بأسره، ليتركوا الوباء يرعى بين أطفاله وأبنائه.
هذا للأسف هو حال الطغاة والغزاة.. طغاة يجلبون الغزاة، وغزاة يحمون الطغاة ويتلاعبون بهم.. إبادة في سوريا، وتهجير قسري لأكثر من نصف شعب سوريا، وها هو شعب اليمن يقدم على إبادة من نوع آخر.. يقوم كل من هؤلاء بعمله في معركة إبادة شعب، وها هو السيسي الفاشي المنقلب يفعل كل شي بهذا الشعب، ويبيع الأرض، ويفرط في العرض ويتنازل عن الموارد ومياه النيل، ولا أحد يحاسبه.. فقط هو يواصل باستدانته دينا خارجيا، ويأتي بالرافال، ويستخدم السلاح في تأمين كرسيه وقتل هذا الشعب البريء والشباب الشريف.
فإن نادى هؤلاء وصرخوا، فما بال هؤلاء يتحدثون عن حقوق الإنسان ولا يتحركون؟ نقول لكل هؤلاء أنهم لا يهتمون، لا يكترثون لقتل شعب أو إبادته أو وقوعه في الوباء؛ طالما أنهم يحققون مصالحهم الدنيئة والخبيثة، وطالما ظل الطغاة في خدمتهم ومن خدمِهم في هذه البلاد؛ حراسا للتخلف، وتغولا وافتراسا لكرامة وحرية الشعوب، وتكون اللا معادلة في النهاية قتل الشعوب وإبادتها. لا يقيمون وزنا لإنساننا، وإن طالبهم أحد بذلك، قالوا إننا لسنا الآن في معرض الدفاع عن حقوق الإنسان، ولا نعقد أستاذية في هذا المجال.. ولكنهم يسندون المستبدين ويدعمونهم.. يقتلون فلا يحاسبون، يطاردون فلا يعاقبون، وفي النهاية الشعب هو الضحية.
ويأتي عمل السنن ليكون لدى هؤلاء بصيص أمل.. فبقتل المستبد على رؤوس الأشهاد، وبروز ضعفه ووهن نظامه، وأنه أوهن من بيت العنكبوت؛ على الشعوب أن تتدرب على وعي حاد وبصير، فالمعركة معركة نفس طويل، واصطفاف رصين لا يطوله استقطاب أو تخوين.. هنا فقط سينتهي عهد الطغاة، ويندحر الغزاة، ويبقى الشعب ما أراد الحياة.
الوسوم
مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.