“عُمر الظلم ما قوّم دولة”

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 10 مارس 2015
كثيرة هي مشاهد الظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي في عهد الانقلاب، بحيث صار حصرها مهمة صعبة، ليس لندرة أو غموض في وقوع الظلم، بل لكثرته ووضوحه الزائد عن حده حتى صارت مشاهده تتكرر أمام أعيننا بشكل يومي. فصرنا نسمع عن فصل عدد مئات الطلاب من الجامعات بتهم معلبة سخيفة. وصرنا نسمع عن فصل عشرات القضاة بتهم هي أكثر التصاقا بمن يتهمهم بها. وصرنا نسمع عن اعتقال عشرات أساتذة الجامعات على مرأى ومسمع من الجميع، فضلا عن فصل وملاحقة عشرات غيرهم بتهمة إبداء الرأي السياسي في وقت من الأوقات أو معارضة السلطة الانقلابية الحالية. كما أننا صرنا نسمع عن أطفال يتم اعتقالهم بتهمة سخيفة لا يمكن تخيلها حتى في بلاد الواق واق، مثل حيازة مسطرة أو كراسة عليها شعار رابعة، أو حبس طبيبة بتهمة وضع دبوس عليه شعار رابعة، أو احتجاز طالب بتهمة حيازة رواية أو كتاب…ألخ.
آخر صيحات الظلم في عهد الانقلاب، فصل أربعين طالبًا من أكاديمية الشرطة بدعوى انتماء أحد أقارب كل منهم للإخوان، وهو ما يشير إلى عودة ما يمكن تسميته “الظلم بالشبه” أو “الظلم بالقرابة”، وهي أنماط من الظلم كانت سائدة في عصر ما قبل 25 يناير، فلم يكن يسمح لأي أحد بالالتحاق بالأجهزة الأمنية إلا بعد عمليات تحرٍ دقيقة، لإثبات النقاء العرقي المتقدم من أي أمر يشتبه في تورط بعض أقاربه من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة وربما الخامسة حتى لو كانوا من الأموات، وكأننا في بلاد لم يعد يُقرأ فيها “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”، “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، على افتراض أن هناك وزرا في الأصل.
عادت مشاهد الظلم بالقرابة مرة أخرى وبطريقة أكثر فجاجة، فطالعتنا قيادات الداخلية بفصل أربعين طالبا من الدفعة الثالثة والرابعة من طلبة أكاديمية الشرطة بغير جريرة إلا لوجود أقارب لهم من جماعة الإخوان، أو لمجرد تعبير بعض أقاربهم (من الدرجة الأولى والثانية) عن آرائهم السياسية في ما يحدث في مصر منذ 3 يوليو.
الظلم بالطبقة نوع جديد من الظلم يستبعد فيه المجتهد لأسباب طبقية متعلقة بانتمائه إلى الطبقات الفقيرة أو لصعوبة حصول والديه على تعليم متوسط أو عال، وعلى هذا يتم استبعادك بتهمة “عدم اللياقة الاجتماعية”. وهذا النوع من الظلم كان واسع الانتشار في عهد ما قبل 25 يناير، ولي شخصيا تجربة أليمة في هذا السياق، حدثت مع أحد أنجب تلامذتي عبد الحميد شتا رحمة الله عليه ويشهد على نجابته أساتذة كثر، أنا واحد منهم.. تقدم ابني إلى وزارة الخارجية ليلتحق بالسلك الدبلوماسي، فاجتاز كل الاختبارات بنجاح، وعندما ذهب ليسأل عن نتيجته قيل له إنه “غير لائق اجتماعيا”، ضاقت الحياة بابني فانتحر بإلقاء نفسه في النيل.
عادت بي ذكريات ابني عبد الحميد عندما رأيت عشرات من شباب وكلاء النيابة يقفون أمام دار القضاء العالي يصرخون لاستبعادهم من سلك النيابة العامة بعد أشهر من تعيينهم، بحجة أن آباءهم لم يتلقوا تعليما جامعيا، فكلهم بالنسبة لي عبد الحميد. ما هذا الظلم الفادح الذى يقع في مصر؟ كيف نعاقب الآباء بهذه البجاحة ونصغر من شأنهم لأسباب تعليمية؟ ما ذنب الآباء أصلا؟ وهل نعاقب الأبناء لاستكمالهم ما نقص عند آبائهم؟ وما هذه البجاحة التي صار إليها بعض القضاة في تبرير الظلم (من ذلك أن المستشار أحمد عبدالرحمن – عضو مجلس القضاء الأعلى – طالب باستبعاد أبناء عمال النظافة من دخول القضاء حتى لو كانوا متفوقين)؟
والملفت في هذه القضية أن المتحدثان باسم وكلاء النيابة الـ138 المفصولين، رفضا الحديث لصحيفة الجارديان البريطانية التي أعدت تحقيقا حول القضية، وعندما حاولت الصحيفة التحدث إليهم ردوا عليها بأن “قضيتنا مصرية تخص المصريين، ولا تهم الإعلام الأجنبي”. وهي لفتة مهمة لكل ذي لب أو ضمير في هذا البلد، وهي رسالة بأن الشباب ما زال على انتمائه لوطنه حتى ولو كان من المظلومين ظلما يشكل دافعا لفقد الانتماء عامة للوطن، أو ربما ليفقده ذلك الرغبة في الحياة.
لا نجد ما نقوله لهؤلاء الشباب بعدما سمعنا وزير الداخلية السابق – الذى كان وزيرا منذ أيام- يتباهى بنسف قواعد ومعايير التفوق للالتحاق بالأجهزة الأمنية. فعندما يأتيه المتفوق صاحب التقدير سيتركه ويختار أولاد الضباط، هكذا قال صراحة. إنهم يرسخون فكرة العزبة المورثة بدلا من فكرة الدولة والمؤسسة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما طال أيضا موظفين عاديين في وزارة الكهرباء تحت أي ادعاء، وكأن الاتهام بالانتماء للإخوان صار شماعة يؤمن بها الموظف الكبير كل تجاوزاته ويحسن فشله ما استطاع لذلك سبيلا، ولا بأس في أن يقذف بالمئات إلى الشارع على ما يترتب على ذلك من شتات أسر ووضعهم في طريق المجهول. ألا يعدّ ذلك ظلما مركبا مع فقد هؤلاء كل طريقة لاسترداد حقوقهم بعد فقدانهم الثقة في مرفق العدالة ونشدان الإنصاف؟
إن أخطر ما في هذه المشاهد وأحقر ما تؤدى إليه، أنها تمزق أواصر شبكة العلاقات المجتمعية وتهدد تماسك الجماعة الوطنية. هذه المشاهد التي أكدنا عليها لم تكن إلا علامة على عقلية وذهنية الانقلاب الذي صار يمارس كل أمور الظلم الاجتماعي بالشبهة وباعتقاد أن هؤلاء إنما يشكلون قوة معارضة لسلطانهم. وواقع الأمر أن هذه الذهنية التي تتسم بالغشم والجهل والغطرسة إنما تحقق ركاما من الغضب لدى عموم الناس، ولدى هؤلاء جميعا، حيث صار الظلم ليس فقط ممولا من قبل الأجهزة المختلفة في المنظومة الانقلابية، بل إنه أصبح ظلما مجانيا تمارسه سلطات تفتقر لأدنى درجات المسؤولية.
صرنا نتندر على ذلك، بأن يكون ذلك ظلما على نفقة الدولة، فصار كل ذلك ظلمات بعضها فوق بعض تستفز المشاعر وتثير طاقات الغضب. ولكن هؤلاء من محترفي الظلم الغاشم لا يقومون إلا بكل عمل يؤدي إلى تأجيج مقاومتهم ومواجهتهم. بركان الغضب هذا سيأتي اليوم لينفجر في وجوه هؤلاء الذين تمرسوا على الظلم واتخذوه سياسة وتعاملوا مع الناس باعتبارهم عالم أشياء لا قيمة لهم ولا كرامة. إنهم يشكلون بظلمهم هذا ثورة تموج في أحشاء الوطن لتعبر عن أن لكل ظالم نهاية و”عمر الظلم ما قوّم دولة”، الظلم مؤذن بخراب العمران والإنسان وكل كيان.
الوسوم
مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.