شعبُ معدم على سكة الإعدام

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 16 أغسطس 2016
قام السيسي بالبداية بطلب تفويضٍ من بعض شعبه لقتلِ بعض شعبه برابعة والنهضة، كان هذا التفويض بمثابة استباحةٍ للنفس الإنسانية حتى يقوم بالتعامل معها بالإزهاق والقتل بلا هوادة، ثم شرع السيسي بعد ذلك بتوجيه بعض من قضاته ليلوحوا بإعداماتهم على بعض من اعتقلهم وسجنهم ثم ذهب بعد ذلك ليوحي إلى بعض زبانيته من بلطجية داخليته إلى أن يقوموا بالتصفية الجسدية لبعض هؤلاء المطاردين من جانب منظومته الانقلابية خارج إطار القانون، رغم أن القانون بعد انقلابه صار في إجازة رسمية أو صار تطبيقه انتقائيا أو ظالما.
ولكنه في النهاية قام بقتل الناس بدم بارد، وتابعه في ذلك بعض زبانيته من ضباط وأمناء شرطة مستهدفين بعض من الشعب من بسطاء الناس بالضرب في الرأس أو سويداء القلب، خاصة بعد أن أمّنهم المنقلب الغادر العقوبة وأخرجهم من دائرة الحساب من دون أن يطولهم أدنى عقاب، وصار هؤلاء لا يتحدثون مع بقية الخلق إلا بالرصاص يروعون بقية الناس وفقا للقانون الذي ثبته من القتل والإعدام وإزهاق النفوس والاستخفاف بها، فحينما تكون إراقة الدماء منهجا ومن الأمور المستخف بها، فسنشهد أن النفس الإنسانية لا ثمن لها ولا حساب على قتلها.
أليس هو الذي ابتدع القتل وبررّه لنفسه بتفويض طلبه لم يكن يعني إلا استخفافا بالأرواح والدماء أيمكن لهذا الذي مارس هذا القتل من أقرب طريق إلا أن يحض الآخرين من زبانيته ترويعاً وتفزيعاً باستخفاف ارتكاب القتل باعتباره أيسر من شربة ماء، ومن هنا يكمل هذا المنقلب خطته الجهنمية فينتقل من قتل وإعدام شعب إلى إعدامه بطرائق أخرى بتجويعه ورفع الدعم عنه وجعله معدوما معدما.
سنرى بعد ذلك كيف أنه في خطابه المستفز الأخير الذي حرك كل الأمور الى وجهة استكمال مهمته في الإعدام والمعدوم والمُعدَم، بإفقار هذا الشعب إفقاراً ممنهجاً ومُتعمداً ثم يطالبه من بعد ذلك ببجاحة بأن يقف بجانبه! كيف بالله عليك أن تطلب من شعبٍ لا يجد بعضه قوت يومه أن يتحمل مالا يحتمل إلى مالا نهاية؟ وأن يقتطع من لحمه الحي ما يمكن تسميته بدمغة القضاء العسكري أو برسومٍ للداخلية أو بنسبةٍ لتحسين الرعاية الصحية لقضاة من المؤسسة القضائية، كيف يمكن أن يأخذ ممن ليس معه ويكاد يدبر أمره بالكاد لمصلحة هؤلاء الذين زادت مرتباتهم أو معاشاتهم أو بدلاتهم مرة بعد مرة؟
وفي النهاية يطالب هؤلاء، وهؤلاء فقط، بالتحمل معه مدعياً أن ذلك كان اتفاقه معهم مسبقا وأن الأمور شديدة الصعوبة، شديدة الصعوبة على هؤلاء فحسب، مشيراً إلى أن أزمة الديون غير المسبوقة التي تواجهها البلاد، ترجع إلى زيادة مرتبات الموظفين خلال عامي 2011 و2012، بينما تظهر البيانات الرسمية أن الديون التي شهدتها مصر خلال العامين الأولين من حكم السيسي تعد الأكبر في تاريخ البلاد، الموظفون المعذبون في الأرض هم المسئوولون، أما هؤلاء الذين يحمون كرسيه من سدنة حكمه ويقومون بصناعة الظلم القميئة ويطالبون من أجل ذلك بزيادات في مرتباتهم ومعاشاتهم فيتحمل المظلوم تكلفة ظلمه ويطالبه السفاح الغادر بمزيد من التحمل بدفعه المزيد وبتحمله الظلم العتيد.
إنها صناعة العدم والمعدمين يقوم بها في مجزرةٍ كبرى لشعبٍ أعزل، روعه وفزعه وأراد أن يسوقه كالقطيع، يفعل به ما شاء أنى شاء وكيف شاء، ماله يفعل ذلك مستخفاً بالدماء والنفوس ويواصل مجازر قتله وصناعة المعدمين، أتراه بعد ذلك يمكن أن يهتم بهؤلاء أو يلحظ تأوهاتهم أو يتفقد آلامهم أو يحقق بعض ضروراتهم؟ لا، لا وألف لا، إنه يقول أنا لا أستطيع حل المشاكل وحدي وعليكم أن تتحملوا !!
قتل أرواحهم بالأمس ويضيق على نفوسهم اليوم ويجيع أبدانهم الآن وغداً، ومن قبل بعض أسابيع قد وعدَ الناس بأخبار سارة ولكنه ألقمهم بأمورٍ مُرة، فهذا ارتفاع في سعر الكهرباء وهذه بشرى برفع تذاكر المترو، وهذا تلويح بتسريح الموظفين، وهذا أمر يتعلق بتغول الدولار ليأكل الأخضر واليابس ويرفع الأسعار من دواءٍ وغذاءٍ، وفي كل مرة يخرج هذا السفاح ليقول لهم تحملوا، ظلم مركب بالترويع والتفزيع وارتفاع الأسعار ولهيب الدولار، أما هؤلاء الذين يتنعَّموا فتزيد دخولهم ويتراكم فسادهم، لا يقترب منهم أحد، ذاتهم مصونة لا تُمسّ ومصالحهم محمية لا يطولها أحد، فقط لأنهم يمكّنون لظلم سلطانه وتمكين كرسيه وطغيانه.
قال من قبل أنه لا يرى بأساً في أن يقتل الآلاف ولا يرى أي غضاضة في أن يضحي بجيلٍ أو اثنين، وها هو يمارس كل ذلك من خلال صناعة المُعدمين التي تفتق ذهنه عنها، ليمارس خطابا مستخفا مستفزا، بل أكثر من ذلك يفرض حصارا على هؤلاء المُعدمين باقتراضٍ من الصندوق اثني عشر مليارا من الدولارات، إنه لا يصنع المعدمين في هذا الزمان ولا في المكان فحسب، ولكنه يعدم الإنسان، يحاصر الأجيال القادمة بقروضه التي تضاعفت فيعدم الحاضر ويصادر المستقبل، إنه يحاول التبرؤ من أزمة الديون التي تهدد مصر بشكل غير مسبوق، رغم أنه المتسبب في هذه الديون التي قفزت إلى مستويات خطرة رغم حصول نظامه على مساعدات خليجية تتجاوز 30 مليار دولار في أقل من 4 أعوام، فيقوم بكل أمر لصناعة المُعدمين ويطلب من الفقراء البسطاء ومن جموع المظلومين أن يقولوا له سمعاً وطاعةً ويصدقوا على فعله الظالم بقولهم آمين.
يحاول هذا المنقلب أن يحيل كل أمر بعيداً عن مسؤوليته فتارةً يحيل أزماته إلى مؤامرة كبرى تحاك ضده، وتارة يحيل ذلك إلى زمانٍ غير زمانه وحروبٍ هنا وهناك أدت إلى ما نحن فيه، ولكنه في أي مرةٍ من المرات لم يتحدث عن تكلفة فساده واستبداده، عن تكلفة ظلمه وطغيانه، مستخفاً بكل شيء مستفزاً بخطابه، يبشرهم بمزيد من إحكام الأزمة يذكرهم بإجراءات “السادات” برفع الأسعار ورفع الدعم ويقول إنه لن يتوانى في اتخاذ قراراتٍ أصعب ولن يتأخر دقيقة.
في انحيازٍ واضح لكل الفاسدين وبعض الأغنياء الذين يشيّدون معه صروح استبداده وفساده لا يلقي بالاً إلى البسطاء والفقراء يعطيهم فقط فائض كلامٍ على بطون خاويةٍ من الطعام، ينحاز لطبقات بعينها ويتهم شعب بأسره، أنه من تسبب في الأزمة، بل خرج بعض زبانيته وإعلام إفكه ليتحدثوا عن ترفٍ وتبذيرٍ لشعب مقهور، ماذا يريد هؤلاء بعد قتلٍ وتلويحٍ بإعدام، بعد تصفية جسدية خارج إطار القانون والنظام إن كان هناك نظام، بعد تفزيع وترويع بلغة الرصاص التي تستهين بكل نفس وبكل إنسان، إنه يصنع الإفقار في بر مصر ويصنع المُعدمين ليكمل على شعبه بصنوف مستجدة من المعدومية والإعدام.
الوسوم
مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.