ثورة الوطن: جمعة الأرض هي العرض

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 19 أبريل 2016
بعد ارتكاب نظام الانقلاب كل ما يتعلق بالترويع والتفزيع لعموم الناس، والقتل والاعتقال، والتعذيب والاختطاف القسري، والفشل المتكرر في متوالية عدم النجاح في تحقيق أي إنجاز، تأتي متوالية التفريط والتبديد في الحقوق والقدرات، في الموارد والثروات، تفريط في الغاز وتبديد للحقوق التاريخية في حصتنا المائية في مياه النيل في إطار اتفاقية مبادئ حركت كل مسالك التنازل في أمر عليه من الخطوط الحمر التي لا يمكن تخطيها أو الإهمال في توابعها ومآلاتها أو التغاضي عنها، وأخيرا كان التنازل عن جزيرتين من أرض مصر التي سالت على ترابهما دماء الشهداء المصريين الذين طالما دافعوا عن حياضهما.
بدا للناس أننا وصلنا لنقطة النهاية في التفريط والتنازل إلى حد خيانة الوطن فيما يشكل أرضه وعرضه، وأنه لا يمكن السكوت بحال عن كل ما حدث لأن التنازل عن أرض الوطن وجغرافيته وجزء منها يتمتع بأهمية استراتيجية بالغة ضمن صراعنا المصيري مع الكيان الصهيوني، ماذا يعني التنازل عن هاتين الجزيرتين الاستراتيجيتين إلا أن يكون ذلك مقدمات للتفريط في سيناء ذاتها لمصلحة الكيان والعدو الصهيوني، إنها أخطر مؤشر على بيع الوطن بالقطعة، وباستهانة غريبة مؤكدا العاهل السعودي أن ذلك التنازل لم يكن إلا تعبيرا عن الاعتراف بالجميل لمساعدات قدمت لنظام السيسي، وهو ما كشف النقاب عن الوجه الوقح والقبيح للانقلاب والمنقلب.
لم يصمت الناس حيث استشعروا الخطر على مستقبل وطنهم، بل وعلى أرضهم ومقدراتهم، تنادى الناس للنزول في جمعة الأرض هي العرض، اجتمع الناس ليعبروا وبكل وعي فطري فعال، ليخط هذا الحدث كعلامة فارقة في محطات الثورة المصرية التي تؤكد إمكانات إحيائها، فإذا كانت عملية إحياء الثورة ترتبط بالحالة الثورية الآن صعودا وهبوطا، ممارسة وانحسارا فإن “الإحياء الثوري” عملية ممتدة تصل بالأمور إلى إقامة تصورات واسعة وعميقة لتحول الثورة إلى “دولة” تمثلها وتقيم أطر علاقات جديدة وأسس لتصور مصر الجديدة، وصياغة رصينة لمستقبل وطن، وطن يليق بنا ونليق به يحقق أهداف التأسيس الكامنة في شعار ثورة بناء “عيش كريم، كرامة إنسانية، حرية أساسية، عدالة تأسيسية واجتماعية”.
الاصطفاف القائم على الوعي الفطري تم في تلك الجمعة، تم بين قوى مجتمعية وشعبية، الاصطفاف الأساس لعموم الناس الذي يولد منه كل اصطفاف، لحمته الناس وشرارته الشباب، مرة ثانية لا تقللوا من وزن شباب وسائل التواصل الاجتماعي، وقدراته على الحشد وإطلاق حالة ثورية جديدة ومستأنفة، إن الشباب هم شرارة الثورة ولحمتها وآن الأوان أن يمكنوا ضمن هذا العمل الثوري الممتد. إن المشهد الشبابي يمتلك ليس فقط عناصر الاستحقاق والاستمرارية بل يملك روحا وثابة نقية تعيد للثورة شبابها، وللشباب ثورتهم. إن الشباب هم أصحاب المصلحة الحقيقية في المستقبل بما يمثلون في الوطن فهم أكثر من نصف الحاضر وكل المستقبل، ولا يعقل أن يتصور أو يبني مستقبل مصر في غيبتهم أو تغيبهم. إن الشباب هم أقل الفئات حمولة سلبية، وهم قادرون على تلافي خلافاتهم والقيام بكل ما من شأنه أن يحقق لحمتهم وتماسكهم، إن الشباب هم النواة الصلبة في أي عمل ميداني وهم القوة الضاربة رمزية وحشدا في أي حراك حالم وأي حراك مستقبلي.
جمعة الأرض هذه تؤكد ومن كل طريق أن الوعي بالقضية هو منتصف الطريق لاستنهاض حالة ثورية تعرف أنه من الواجب ليس فقط أن تحقق اصطفافا بل من الضروري ألا تدع أحدا يشق الصف أو يتسلل لتوهين حالة الاستنفار الثوري، المخذلون يمتنعون، المشككون يبتعدون، هذا المشهد الاصطفافي أقوى رسالة لهذا النظام الانقلابي، وهو إعلان أن الثورة مستمرة تمتلك عناصر فاعليتها من تماسك شبابها بها وتماسك اصطفافهم ليعبروا في نفس واحد عن “لا للانقلاب” “لا للاستبداد” “لا للفساد” “لا لبيع الوطن”، وهم يحملون الأمل والهم والعمل للقيام بكل ما يحفز هذه الثورة واستعادتها من براثن الثورة المضادة أرادت أن تجهضها بعد ما أجهدت كل عناصرها الفاعلة وفرقت بين قواها ودفعت بعض الشباب إلى زوايا اليأس أو متاهات الحيرة، أو غياهب الخوف والتخوين والترويع، الرسالة تقول “لا” كبيرة في هذا المشهد الاصطفافي.
قاموا بذلك من أجل أرض مصر التي لا يجوز التنازل عنها بحال، إن تنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير بشكل فردى وكأنه يتصرف في ملك خاص له وصمت من يدعون أنهم انقلبوا على الرئيس المنتخب ليحافظوا على التراب الوطني، يأتي ضمن سلسلة من التنازلات في حقوق مصر التاريخية والطبيعية بدءا بالأمن المائي في الجنوب ثم حقوق التنقيب في مياه البحر المتوسط في الشمال، إنهم يقومون بذلك في وجه نظام انقلابي احترف التفريط والتنازلات أملا في شرعنة سلطانه الباطل والغاصب. في جمعة الأرض الميدان صار “صنافير وتيران”، أرض مستباحة وأرض مباعة، الخيانة لمن فرط، وعدم الأمانة فيمن بدد وتصرف في أرض مصر وكأنها “الوسية” أو “العزبة”، قالوا بأعلى صوت.. لا لبيع الوطن.
سنسترد كل شبر من أرض مصر وثرواتها ومقدراتها، ليس لأحد أن يستغل حالة الغادر الواقع تحت الابتزاز، يا أهل الثورة، ثورة الأرض، إنه أصل الوطن المستباح، والأمر قد افتضح ولاح، لم يعد يسهل إخفاؤه أو التعتيم عليه، ثورة الأرض وثورة النيل وثورة الغاز، انتهبت مصر، فلتكن ثورة الناس، من يتخلف عن ثورة مصر كأنه شيطان أخرس ساكت عن كل حق، أو ديوث يتستر على انتهاك عرض أو راض بأن يكون عبدا، يشترى ويورث مع أرضه “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، لسنا عبيدا أو عقارا ولن نورث بعد اليوم، لقد حانت لحظة الخلاص، ثورة قبل فوات الأوان، ثورة الأرض بداية وشرارة لثورة كبرى، “ثورة الوطن”.
الوسوم
مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.