تجديد الخطاب الديني.. الطبعة الانقلابية

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 7 أبريل 2015
يقوم الانقلاب منذ أتى بالتدليس على الكلمات ومحاولة أن يقوم بملئها بمعانٍ مغلوطة وخطاب زائف لا يُبتغى منه إلا أن يُحدث انقلابا في الأفهام وقلبا للمعاني، مارس ذلك في كثير من المفاهيم التي استولى عليها واغتصبها من جملة ما وضع يده عليه وحكم فيه بأمره وعبث به أنى شاء وبأي طريق أساء، وبدت كلمات مثل “الشعب”، و”الأمن القومي” و”الوطن” محل ذلك التلاعب والعبث رغم أن هذه الكلمات مما لا يجوز التساهل فيه أو التجرؤ على معانيه أو مغازيه، ومن جملة هذه الكلمات الحديث عن “تجديد الخطاب الديني”؛ تحت هذا العنوان يمكن أن يُعبث بأي شيء والحديث في كل شيء، من دون أي ضوابط في ظل حديث أشبه بالمهاترات والمزايدات لا يمكن أن يعبر بحال عن صحيح الدين أو عما يمكن أن يحمله هذا الدين للبشرية.
وتبدو تلك الطبعة الانقلابية لا تتسم فقط بالعبث؛ ولكنها تخط ضمن ما تخط رؤية مخصوصة للدين تحاول من خلاله أن تجعل كثيرا مما يمثل الثقافة الدينية السائدة والراسخة، فيضعها موضع التدليس والتشويه والتلبيس، كان أعظم تشويه ماتحدث به المنقلب من جعل هذا الدين ومن تابعيه الذين يصلون إلى أكثر من مليار “يريدون أن يقتلوا ويقاتلوا كل الدنيا برؤيتهم تلك حتى يحيوا هم”، ومن ثم فإن هؤلاء متاجرون بالدين يجب أن يمتنعوا، وأن احتكار الدين هو فقط من شأنه ومن شأن سدنته ومسانديه، والدين في اعتباره مساحة يملؤها هو كيفما يريد تحت دعوى أنه مسؤول عن دين الجميع والمجتمع والدولة، هذه الرؤية لا تؤمم الدين فحسب ولكنها أبعد من ذلك تغتصب الحديث باسمه أو التطبيق المتعلق به حتى لو استباحت ثوابته أو تراثه.
ومن المؤسف حقا أن تسانده في ذلك هيئات دينية رسمية وغير رسمية وشخصيات تدعي علما بالدين أو التراث المتعلق به تحمل معاول الهدم تحت دعوى تجديد بناء الدين وتجديد الخطاب الديني، وتقوم هذه المؤسسات بالترويج لكلام يصدر عن المنقلب مفاده أننا في حاجة إلى “ثورة دينية”، تتلقف هذه الجوقة كل ما يقول لتعبر عنه في سياسات فعلية أو في برامج إعلامية أو في كتابات صحفية؛ تتسم بجرأة على حياض الدين، والحديث بزخرف الألفاظ والقول والتجرؤ على قضايا مهمة، والخوض في حديث عن أمور يقوم هؤلاء بالتعامل معها بمزيد من الاستهانة والإهانة والاستخفاف.
يستغل المنقلب، وكذا سدنته وجوقته وإعلام الإفك التابع له الحاضن لمقولاته، ذلك الوضع الذي اصطنع للأسف الشديد على قاعدة من الانقسام والفرقة وعلى زراعة مزيد من مساحات الكراهية، لتجعل الدين والتدين ساحة لصراعات سياسية وثقافية لا تهدف إلا لكل تشكيك رغبة فى التقويض والتفكيك؛ يحاول كل هؤلاء أن يسربوا صورة مختلفة ومصطنعة عن الدين يحاولون من خلالها أن يقصوا الدين من معظم فاعلياته ومن كثير من ساحاته ومساحاته، يجعلونه منزويا موجها في خدمة أهل السلطان باسم الحفاظ على الأمن القومي والوطن والدولة، فيصير رجاله أهل تعبئة لكل صاحب سطوة وسلطة.
ويقوم هؤلاء وبكل مسالك التحدث عن الآراء الشاذة والإغراب ومحاولة تصديرها وتصدرها إلى واجهة النقاش والمناظرة في محاولة لاصطناع معارك مدبرة، حتى أنهم لا فقط يُصنّعون من يُصدر عنه ذلك الخطاب بل يدفعون أشخاصا للدفاع أضعف ما يكون، وبعضهم لا يملك التخصص أو الأهلية من علم واجتهاد للقيام بهذه المهمة، فيبدو الأمر وكأن الدين قد صار أرضا مستباحة يدخلها من أراد ويقول ما يشاء، يزرع المتفجرات ليقوم بأعمال تخريبية ظاهرة في أرض الدين والتدين، لا يحكمهم في ذلك إلا المزيد من اجتذاب المشاهدة أو محاولة إلهاء الناس بمعارك مفتعلة، خاصة أن دوري الكرة صار لا يجتذب الناس فأداروا مباريات أخرى، وحلبات مصارعة لا مناقشة، لا تليق بأي حال بمقامات الدين، يدخل إلى مساحاته من احترف المراهقة الفكرية وتجرأ على مقامات الدين والتراث، من غير علم أو كتاب منير متجرئا بجهله متعاظما بتأمينه وأمنه من قبل منظومة الانقلاب وهو الهين المهين.
ومن عجيب الأمر حقا أن يقوم كل هؤلاء بتقييد كل أمر يتعلق بنقد المنقلب أو انقلابه أو منظومة استبداده وفساده أو معارضة ذلك أو الاحتجاج عليه، فتصدر ترسانة القوانين تمنع كل ذلك وتجرمه، ثم تترك حياض الدين نهبا لكل ضال أو مضل، يتجرأ عليه وينتهك مفرداته بل ومقدساته تحت دعوى أنهم يقرأون التراث قراءة جديدة، وواقع الأمر أنهم لا يقرأون بل هم كالذباب لا يقع إلا على أقذر شيء في المزابل، يحاولون أن يجعلوا منه كامل الصورة لأنهم لا يجيدون إلا ذلك الفن المتعلق بالقذارة والمهانة، ويفتقدون كل أدوات النزاهة ومسالك الأمانة، فكيف لهؤلاء أن يقوموا بتقديس أوثان البشر ولا يحاولون بأي حال أن يمنعوا كل أمر يتعلق بالتجرؤ على ساحات الدين ومساحات التدين؛ أليس ذلك إلا تعبيرا عن حالة انقلابية تقدس مالا يجوز تقديسه وتتجرأ على كل مقدس فتهينه وتستخف به وتنتهك حياضه.
وهنا قد يقول البعض إن الأزهر قد امتشق الحسام، وقد قام بأداء صارم الكلام وقال كل ما يليق في هذا المقام، وإني أتساءل ولي صلة بالعمل في التراث المتعلق بالمسلمين على مر تاريخهم، لماذا لم يتحرك الأزهر ولم يتكلم من قبل؟!، وقد مارس هؤلاء إفتئاتا على مقامه قبل أن يعبثوا بمقام الدين؟!، ولماذا لا يدفع الأزهر بكامل كفاءاته وعدته العلمية-إن أراد- حتى يواجه هؤلاء المغترين والمراهقين؟!، إلا أن يكون الأمر ضمن صناعة صورة تحاول إضعاف جوهر الدين وطرد مساحات التدين الحقيقي وإبراز الطبعة الانقلابية التي حولت حياض الدين وقضاياه إلى ساحات لمباريات مصارعة قميئة، ومن المؤسف حقا أن شيخ الأزهر لا يقيم فريقا من أشد علماء المسلمين وأوفرهم ثقافة وتدينا حتى يقوموا بالرد على هؤلاء في كافة الساحات المتاحة حتى ينكشف الغطاء عن هذا العبث الخطير؟!، ماذا لو أراد الشيخ أن يُكوّن هذا الفريق تحت رئاسة وإدارة الشيخ الجليل حسن الشافعي حتى يقوم في هذا الشأن بدوره الحقيقي وهو ما هو في تجديد علم الكلام.
عود على بدء نرى كيف يعبث الانقلاب بمقامات خطيرة فيعبث بكل الثوابت، وهو المنقلب المتغير هذه مساحات لا يعبث بها إلا العابثون بمصائر شعوب وثوابت أمة، “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.
الوسوم
مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.