الكامن والمسكوت عنه في خطاب السيسي

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 13 مايو 2014
ليس من مقصود هذا المقال أن نسرد التصريحات التي وردت على لسان “المرشح الرئيس” أو “الرئيس المرشح” أو متابعة الظاهر منها، ولكن غاية هذا المقال البحث عن الكامن في بطن الكلمات والمسكوت عنه في جوف العبارات، ذلك أن بعض ما يقول يشكل مسارا لحكمه ومسلكاً لسياساته وممارساته، كما أنه يكشف كلماته المسكونة بمعاني الاستبداد وصناعة عقلية القطيع والعبيد والاستعباد.
علينا أن نتفحص لماذا تؤكد منظومة الانقلاب وعلى رأسها “المرشح المنقلب” هذا الخطاب الذي يتسم باللامعقول واللامقبول ويكسر الثوابت ويبدد القواعد ويؤكد على عقلية العبيد والقطيع التي ما عليها إلا الطاعة العمياء والقبول الإذعاني والإتباع القسري،بما يشير إلى طريقة “عبد العاطي في التعاطي” مع أجهزة ادعى أنها تقوم بعلاج الفيروسات، وأكد في حديث أخير أنه وفريقه قد قاموا باختراع جهاز جديد لمواجهة فيروس كرونا في وقت قياسي “أسبوع واحد”!
إن تصريحاته تلك تؤشر على الإمعان في الإذلال لهذا الشعب والاستمرار في تكرار هذه التصريحات غير المقبولة واللامعقولة حتى يكون ذلك أسلوباً في التعامل في علاقة قادمة بين المستبد وشعبه، فإن قال كلاماً خيالياً فليقولوا سمعاً وطاعة، وإن قال كلاماً غير مقبول أكدوا على وجاهته وأقروا بعظمته؛ كل ذلك ضمن تحريك عقلية القطيع حينما يقول فرعون الجديد “أنا المرجع والمرجعية” فها هو عبد العاطي يكشف عن طريقة سيده فيقول “لا تسألوني عن أسانيد من العلم .. بيني وبينكم المرض والمريض” ، ثم يشفع قوله “لا يهم الوظيفة أو المؤهل أو السند.. أنا صبي منجد”، وهو بذلك يحاول أن يؤكد أن الانتحال يكون مشروعاً، وأن الشهادة العلمية لا لزوم لها، وأن التأهل الذي يشكل ضمانة لا معنى له؛ إننا أمام المطالبة بعقلية قطيع تسجد للكلمات مهما كانت غير معقولة أو مقبولة..إننا في عصر “المستبد المشعوذ”.
ومن هذا الكلام غير المعقول وغير المقبول قول السيسى بأن عصره سيكون خالياً من الإخوان، وأنه بذلك إنما يؤدي خدمة للوطن والإسلام، وهو ما يؤكد على استخفاف شديد بشأن العلاقة بين الدولة والمجتمع، وكأن القُوى يمكن أن تُلغى بجرة قلم، أو تُستأصل بجرة سلاح، أو تُستبعد بجرة اعتقال؛ وكأن هذه الأمور يمكن أن تنجز وفق سياسة تتعلق بالإبادة الجماعية السياسية، أو بالتطهير العرقي الفكري، هذا الكلام فى معناه ومغزاه إنما يعبر عن ممارسة طفولة سياسية أو حالة مراهقة طغيانية.
وها هو أيضا يعبر، في تصريحات غير مقبولة، عن أن مصر يمكن أن تحصل على الديمقراطية بعد خمس وعشرين عاماً، أو ما يمكن تسميته “مسار المؤبد للوصول إلى ديمقراطية التعدد”،وهو في ذلك يؤكد على معنى الاستبداد القادم، ويكرس الفساد القائم، ويُمكن لاستعباد شبه دائم، ويؤسس لمسار سياسي غامض وغائم، إنه يريد أن يُمكن ويؤبد لدولة الفساد العميقة والثورة المضادة وتحالف المصالح العميقة،بالعودة لمقولات تتعلق بعدم أهلية هذا الشعب لديمقراطية قادمة أو لعملية سياسية فاعلة، وهو خطاب يبرر كل مسارات الاستبداد والطغيان والاستعباد والفساد.
وفي حديثه التلفزيوني الأول (برنامج الطريق إلى الاتحادية) قامت بعض وسائل الإعلام بإحصاء الكلمة الأكثر وروداً في تصريحاته والإجابة على الأسئلة فكانت كلمة “أنا” ، التي وردت في هذا الحديث أكثر من “مئة مرة” ليتمحور حول ذاته المتضخمة، ويؤكد على مكنونه المستبد وكيانه الممثل لفرعونية متغلغلة، ها هو مع خطاب الأنا وتضخمها، وخطاب الذات وأنانيتها يصدّر خطابات ممتدة تعلن التماهي، فها هو يتماهى مع الله حينما تنقل الصحف أنه قابل الله مرتين، وأنه يطلب من الله الأجر على حسن صنعه بالقضاء على الإخوان لمصلحة الإسلام والوطن، وهو يتماهى مع الوطن بتأكيده أنه “مرشح الوطن”، ويتوحد مع الشعب بقوله أنه لم يترشح ولكن الشعب استدعاه، ويتماهى مع الجيش فيقول بأنه المؤسسة العظيمة وكله محل ثقة؛الجيش هو عشيرته وهو محل ثقته، وهو في النهاية الدولة والدولة هو، وهو يمثل الدولة فهو الحامي للأخلاق، والحافظ للقيم، والمدافع عن الدين، إنه بذلك يؤمم الحديث عن الدين وعن الوطن وعن الشعب وعن الدولة وعن الجيش؛ كل هؤلاء ليسوا إلا تعبيرا عن “الأنا والأنانية السيسية، وذاته الطاغية الفرعونية “.
أما حينما يتحدث عن الشعب فإنه أول مرشح في العمليات الانتخابية لا يقدم برنامجاً، ولا يقبل مطالب من الشعب صارخا “مفيش..مفيش”، “..أجيب منين”، “..أنا لو معايا أديكم” ويطالبهم بشد الحزام والتقشف وإلا فإنهم “عاوزين ياكلوا مصر..عاوزين مصر تموت”؛ متغاضياً عن تفشى الفساد وكشفه، ويتحدث عن المسئول الفاسد أو المقصر فيطالب الإعلام بألا يهاجمه في العلن، وأخطر من ذلك أن هذا المرشح للانتخابات لا يقبل مطالب من شعبه بل يطالب الشعب والناس، عقلية تعبر عن حال فرعون الذي يمن على شعبه أن أدخله فى دائرة استبداده وأرغمه على قبول استعباده.
بين تحريك عقلية القطيع والإمعان في هندسة الإذعان والفرعونية الطاغية وعقلية المن في الاستبداد والاستعباد وتسويغ شبكات وسياسات الفساد؛ يطفح مكنون خطابه السياسي بكل ذلك وينكشف المستور في كلماته وأفعاله، فخطابه تكذبه أفعاله وتنقضه ممارساته وسياساته، وحينما يقول أنه لن يقدم برنامج، فقد عرفنا برنامجه في أقوال زائفة ووعود كاذبة وأفعال فاضحة أعلاها القتل والحرق والخنق وأدناها المطاردة والاعتقال.
الوسوم
مقالات ذات صلة

الظهير الديني للثورة المضادة.. فأين سلطان العلماء؟!
يتناول المقال دور علماء السلطان في تبرير الانقلابات ودعم المستبدين، مقارنًا إياهم بعلماء الحق الذين ينصرون الأمة. يستعرض المقال تاريخ الشيخ العز بن عبد السلام كسلطان للعلماء الذي واجه الظلم، ويقتبس من الرافعي لبيان الفرق بين علماء الحق والسوء. ينتقد المقال استغلال الدين لتمرير انقلاب 30 يونيو في مصر، وتحالف السلفيين والصوفيين والأزهريين مع السلطة ضد الإسلاميين والثورة، وتشويه الإسلام ورموز المقاومة. يختتم المقال بالتساؤل عن غياب سلطان للعلماء يدين علماء السلطان الداعمين للاستبداد والواقفين ضد إرادة الشعوب.

ملعونة كراسي حكمكم
يقارن المقال بين نماذج الحكم الرشيد والعادل كما تجسدت في دولة عمر بن الخطاب ومحاولات رئيس وزراء كندا لدمج المسلمين في مجتمعه، وبين دول عربية فاشلة وفاشية وظالمة. ينتقد المقال بشدة قطع السعودية والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر ومطالبة الولايات المتحدة بالتدخل، بالإضافة إلى صمت هذه الدول وتواطئها تجاه اقتحام المستوطنين الإسرائيليين للمسجد الأقصى. يتهم الكاتب هذه الدول بالسعي لرضا إسرائيل وحماية عروشها على حساب قضايا الأمة، وينتقد انضمام “سفاح مصر الفاشي” وحلف الثورة المضادة لهذا المسار، مؤكدًا على لعنة كراسي الحكم التي تقوم على الفشل والفساد والتبعية والذل.

يوم انتصار ويوم هزيمة وانكسار: فماذا كان الخيار؟!
يتناول المقال تزامن ذكرى هزيمة الخامس من يونيو وانتصار العاشر من رمضان، مستعرضًا كيف اختارت الدول العربية سلوك طريق الهزيمة والفرقة بدلًا من الوحدة والنصر. يركز المقال على قطع السعودية والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر، واصفًا ذلك بأنه “نكبة جديدة” وحرب بلا ميدان، تزامنًا مع احتفال نتنياهو بذكرى انتصاره على العرب وانتهاكه للمسجد الأقصى. يشير الكاتب إلى أن هذا الخلاف يخدم إسرائيل التي لم تعد تعتبر عدوًا، وأن الأنظمة العربية تعادي بعضها البعض وتعاقب المقاومة، بما في ذلك انضمام “مصر الانقلاب” لهذا التحالف ضد الثورات والمقاومة.