الصهيونية والمتصهينة

الصهيونية والمتصهينة

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 22 فبراير 2017

في كل مرة تطل علينا أخبار تتسرب من داخل إسرائيل مرة من الوزير الإسرائيلي، ومرة أخرى من الإعلام الإسرائيلي أو من أجهزة صهيونية، مفاد تلك التسريبات من داخل إسرائيل أن العرب أحرص على الكيان الصهيوني وأمنه، لا يتوانون عن خدمته وتنفيذ أهدافه وتحقيق أغراضه. 

     وفي هذا الإطار، يبدو المتصهينة العرب أقرب ما يكونون إلى الصمت، أو إن خرجت بيانات صدرت باهتة تسهم في التعتيم والتغييم أكثر مما تسهم في البيان والتوضيح، هذا هو حال المتصهينة العرب حينما ينكشف المستور، وحينما يؤكد الكيان الصهيوني أن له من الحلفاء في بلاد العرب، ها هو وزير إسرائيلي يؤكد على مشروع التوطين في سيناء وموافقة المنقلب السيسي على ذلك، وتخرج تصريحات من هنا وهناك لتؤكد هذا الأمر الجلل.

     ثم تقف الخارجية المصرية في مشهد المترقب ثم يخرج علينا المتحدث باسمها -هكذا-  “أن أرض سيناء مصرية”، ولكنه لم يقارب الموضوع، لا من قريب أو بعيد، في إطار مشروع التوطين الذي يذكر كل آن كنوع من بالونات الاختبار أو محاولات جس نبض الشارع المصري والعربي في هذا الموضوع “توطين الفلسطينيين في سيناء”، يبدو ذلك خطيرا وغريبا ويبدو رد الفعل الرسمي من جانب سلطة الأمر الواقع أغرب وأخطر لا ينفي أو يؤكد، ولكنه أطلق فقط أن أرض سيناء مصرية، نقول ذلك بمناسبة أنهم ردوا من قبل حينما فرطوا فقالوا إن أرض تيران وصنافير سعودية، مشكلة خطيرة تتعلق بسيادة مصر على أراضيها، فالسلطة الانقلابية تفرط في تيران وصنافير من أجل إسرائيل، ومن ثم فإنها يمكن أن تفرط في سيناء أو بعض من سيناء من أجل الكيان الصهيوني أيضا.

    وهذا تسريب آخر لصحيفة هآرتس الإسرائيلية ينوه إلى أمر خطير؛ قمة سرية تجمع كيري بنتنياهو والمنقلب السيسي وملك الأردن في العقبة (21 فبراير 2016). الداعي لذلك -على حد تأكيد نتنياهو نفسه- هو رئيس الوزراء الإسرائيلي، والمطروح الإقرار العربي والدولي بمفهوم الدولة اليهودية وما يتبع ذلك من تحقيق كافة الأهداف التي تتعلق بالحركة الصهيونية، وطمس -إلى الأبد- كل ما يتعلق بالحقوق الفلسطينية، هذا أخطر ما يكون، القمة سرية تمت تقريبا منذ عام تعلن الصحيفة الإسرائيلية عنها في هذه الآونة، ثم يؤكد نتنياهو حدوث ذلك، فماذا يعني أن يكون هذا اللقاء سريا، وماذا يعني أن تكون المبادرة التي ناقشتها القمة في عدم حضور أي مثل فلسطيني، إن كل ذلك يعبر عن كيف يقوم متصهينة العرب بكل ما شأنه تحقيق أهداف الكيان الصهيوني.

     بل تنصرف الأمور إلى أبعد من ذلك حين تشيع الأخبار أن المنقلب أوعز إلى “كيري” بأنه لا يجب الضغط على رئيس وزراء الكيان الصهيوني ولكن ضرورة العمل على إقناعه من دون ممارسة ضغوط، فيبدو ذلك من متصهينة العرب وكأنهم يعملون لمصلحة هذا الكيان، ومع ذلك فقد تهرب نتنياهو متعللا بأنه لا يستطيع حشد الأغلبية المناسبة في ائتلافه الحكومي، هكذا هو الأمر، إذا فنتنياهو قادر على أن يفرض شروطه ويتضح دور المنقلب كأنه يقوم بكل ما من شأنه أن يؤمن إسرائيل وأن يبرر سياساتها.

     في ضوء هذا فقط يمكن أن نفهم لماذا قامت مصر بعد أن قدمت قرارا بإدانة الاستيطان بسحبه بناء على ما قيل ساعتها من وجود مداولات ما بين السيسي ونتنياهو والسيسي وترامب (قبل أن يترأس) – تأكد ذلك مما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات المصرية عن اتصال ترامب بالسيسي وطلبه من المنقلب سحب القرار المصري وهو ما تم فورا. ليس ذلك غريبا حينما يقوم السيسي بكل ذلك معتبرا إسرائيل هي البوابة الرئيسية في عملية شرعنته في المشهد الدولي، مقايضة إقرار مغتصب لسلطة بإقرار مغتصب لأرض، فلا يمكن أن نستبعد أي أمر يمكن أن يحدث من سلطة الانقلاب في التفريط في جغرافيا مصر والتفريط في حقيقة المكان والمكانة. 

    في هذه الأجواء، وفي اليوم ذاته، يقابل المنقلب رؤساء تحالف المنظمات اليهودية والصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية في اجتماع لهم على أرض القاهرة، لتكون هذه هي المرة الخامسة التي يتقابل معهم السيسي في أقل من عشرين شهرا، هذا هو الأمر الذي يؤكد كيف يمكن أن تكون هذه العلاقات الصهيونية والمتصهينة، وكيف أن هؤلاء المتصهينة صاروا جزءا لا يتجزأ من المشروع الصهيوني، ضمن هذا كله يمكن أن نفهم الرابط والناظم بين تلك الأحداث كلها وبين ما يقوم به النظام الانقلابي من سياسات حينما يقوم بالتفريط في سيناء وبالتنازل عن تيران وصنافير وبالتقاعس عن تجريم الاستيطان، ثم بعد ذلك يتحدث بكل بجاحة بأنه يحمي القضية الفلسطينية ويدافع عنها، وهو يقف في المعسكر الآخر يحاول من كل طريق ليس فقط تضييع القضية الفلسطينية في حقوقها المغتصبة، ولكن في التفريط بأرض مصر لمصلحة الكيان الصهيوني. 

    إنها المأساة حينما نربط بين كل ذلك لنجد كل هذه التسريبات في النهاية تفضح هؤلاء المتصهينة وتوضح أين هم من مصالح الأمن القومي العربي والحقوق الفلسطينية، ومن هنا يجب أن نخوض معركة كبرى معركة رمزية وإعلامية كما خضنا من قبل معركة تيران وصنافير، بحيث تشكل هذه الإعلانات القضائية حالة إعلامية غاية في الأهمية في كشف هذا النظام وفضحه وقطع الطريق على مزيد من تنازلاته، حتى وإن قال البعض إن هذا النظام الانقلابي من البجاحة حينما يتجاهل كل ذلك وينفذ مخططاته في التفريط بأمن مصر القومي والأمن القومي العربي وثوابت القضية الفلسطينية. 

     فهل يرى كل المعارضين ماذا يمكن أن يحدث من متصهينة العرب، ومن هؤلاء الذين يتحكمون في الشعوب ويضيعون الحقوق ويبددون كل ما يتعلق بوسائل حمايتها ويسهلون كل ما يتعلق بالتفريط فيها، ظل هؤلاء بعض من عارض، يشقشقون بكلمات مثل “عزيزي بيريز” ويتحدثون عن أوهام واتهامات بتوطين الفلسطينيين في سيناء، يتهمون الرئيس محمد مرسي بالقيام بذلك زورا وبهتانا، ثم يقوم هؤلاء الذين تدثروا بغطاء الثلاثين من يونيو ونظام الثالث من يوليو بانقلابه السافر بالتفريط في الأرض والحقوق خدمة لهذا الكيان الصهيوني بشكل فاضح وفاجر.

    وأخطر من كل ذلك ما يوضحه ذلك المشهد من سرية فعل المتصهينة العرب ومن شفافية تصل إلى حد الفضح من داخل الكيان الصهيوني إن إعلاما وإن حكومة، بل إن علة نتنياهو في التهرب من ذلك استناده إلى ائتلافه الذي يقوم بمحاسبته ولا يستطيع حشده، انظر إلى تلك الشفافية الكاشفة الفاضحة،  وانظر إلى هذه السرية المعتمة التي ترتكب كل الخطايا في حق الشعوب وتفرط في الحقوق وتتنازل عن الأرض وتقوم بكل شيء وليس هناك من يحاسب، إنهم الحاكمون بأمرهم يفعلون ما شاءوا في غيبة الشعوب، لهذا كان موقفهم وثورتهم المضادة من ثورات الربيع العربي التي أرادت أن ترد للشعوب كرامتها وللأوطان مكانتها وللجماهير إرادتها. 

   فماذا بعد هذا إلا أن يصطف الناس -عموم الناس- دفاعا عن الأرض والعرض، وفضح هذا الانقلاب الفاجر وعلاقته بالكيان الصهيوني، إنها أحد أهم مصانع الغضب في ثورة قادمة تحافظ على عبقرية المكان والمكانة لمصر الوطن. 

مقالات ذات صلة

الظهير الديني للثورة المضادة.. فأين سلطان العلماء؟!
المقالاتعامة

الظهير الديني للثورة المضادة.. فأين سلطان العلماء؟!

يتناول المقال دور علماء السلطان في تبرير الانقلابات ودعم المستبدين، مقارنًا إياهم بعلماء الحق الذين ينصرون الأمة. يستعرض المقال تاريخ الشيخ العز بن عبد السلام كسلطان للعلماء الذي واجه الظلم، ويقتبس من الرافعي لبيان الفرق بين علماء الحق والسوء. ينتقد المقال استغلال الدين لتمرير انقلاب 30 يونيو في مصر، وتحالف السلفيين والصوفيين والأزهريين مع السلطة ضد الإسلاميين والثورة، وتشويه الإسلام ورموز المقاومة. يختتم المقال بالتساؤل عن غياب سلطان للعلماء يدين علماء السلطان الداعمين للاستبداد والواقفين ضد إرادة الشعوب.

ملعونة كراسي حكمكم
المقالاتعامة

ملعونة كراسي حكمكم

يقارن المقال بين نماذج الحكم الرشيد والعادل كما تجسدت في دولة عمر بن الخطاب ومحاولات رئيس وزراء كندا لدمج المسلمين في مجتمعه، وبين دول عربية فاشلة وفاشية وظالمة. ينتقد المقال بشدة قطع السعودية والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر ومطالبة الولايات المتحدة بالتدخل، بالإضافة إلى صمت هذه الدول وتواطئها تجاه اقتحام المستوطنين الإسرائيليين للمسجد الأقصى. يتهم الكاتب هذه الدول بالسعي لرضا إسرائيل وحماية عروشها على حساب قضايا الأمة، وينتقد انضمام “سفاح مصر الفاشي” وحلف الثورة المضادة لهذا المسار، مؤكدًا على لعنة كراسي الحكم التي تقوم على الفشل والفساد والتبعية والذل.

يوم انتصار ويوم هزيمة وانكسار: فماذا كان الخيار؟!
المقالاتعامة

يوم انتصار ويوم هزيمة وانكسار: فماذا كان الخيار؟!

يتناول المقال تزامن ذكرى هزيمة الخامس من يونيو وانتصار العاشر من رمضان، مستعرضًا كيف اختارت الدول العربية سلوك طريق الهزيمة والفرقة بدلًا من الوحدة والنصر. يركز المقال على قطع السعودية والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر، واصفًا ذلك بأنه “نكبة جديدة” وحرب بلا ميدان، تزامنًا مع احتفال نتنياهو بذكرى انتصاره على العرب وانتهاكه للمسجد الأقصى. يشير الكاتب إلى أن هذا الخلاف يخدم إسرائيل التي لم تعد تعتبر عدوًا، وأن الأنظمة العربية تعادي بعضها البعض وتعاقب المقاومة، بما في ذلك انضمام “مصر الانقلاب” لهذا التحالف ضد الثورات والمقاومة.