السيرك البرلماني القومي واللعب بالوطن

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 12 يناير 2016
هكذا استكملت الاستحقاقات الانقلابية ليصبح لدينا نظام انقلابي كامل الأركان: دستور انقلاب، ورئاسة انقلاب، ومجلس انقلاب، وبالطبع لدينا مؤسسات انقلابية أفرزت هذا اللانظام وصنعته على يديها وعينيها، من العسكر والشرط الإرهابيين، وقضاة الزيف وإعلام البهتان، وشيوخ وقساوسة التضليل، وأحزاب التطبيل، وجامعات وأساتذة التهليل، ورجال أعمال السبوبة، وفناني وأدباء الغيبوبة… منظومة انقلابية توجت بمجلس الانقلاب الأشبه بالسيرك القومي في أبطاله وأدوارهم وكفاءتهم المتردية حتى في التنطيط والتزييط. هذا السيرك توقعنا أن يكون ملاهي تجمع ملاحيس وقراطيس فإذا به سيرك انقلابي مليء بالقردة والنسانيس.
مجلس الانقلاب هو تمام هذه المنظومة وأحق معبر عنها في أساسه التزويري الفاضح، ودوره التهريجي والتدبيجي الواضح، وأشخاصه الهلاميين الذين ليسوا سوى ممثلين ومهرجين يتقافزون على حاضر الوطن وآلامه، ويتلاعبون بمستقبله وآماله.. إن مصر اليوم تم احتلالها احتلالا كاملا في مفاصل حكمها وشرايين حياتها، تراكمت مآسيها وبلاويها، وصار بمعنى الكلمة حاميها حراميها.
في سيرك الانقلاب عسكر وحرامية، أو قادة عسكر فسدة حرامية، وشرطجية وبلطجية، ورموز للرذيلة الأخلاقية، سواء من فضحهم إعلام الانقلاب أم من فضحوا هم الانقلاب بخطاب التشهير والشتائم والسباب.. مجلس نفاق وشقاق وسوء الأخلاق: نوائب لا نواب، من يحلف من ورقة داخل مصحف كأنما الشيطان يعظ، ومن يحلف بالطلاق ألا يحلف اليمين إلا كما يشاء هو لا كما ينص دستورهم في امتهان واضح، ورئيس الفقرة السيركية –لا الجلسة- يتوسل إليه أن يلتزم بالنص.. ومن يخطب في النواب عن دوره في الثورة المضادة وإجهاض الثورة الحقيقية. كيف لا ومتحدثهم الأشهر يعلنها مدوية أنه لا يعترف بديباجة الدستور الانقلابي ويسميها “إنشا”، وخاصة لأنها تعترف بثورة 25 يناير التي لا يعترف بها هو، ويعدها كسائر الانقلابيين “مؤامرة”. ولما أحرجت الكلمة مخرج الانقلاب وخاف معاتبة أصدقائه الممثلين له أراد أن يعترض، فناله من الردع ما ناله. هذا غير الصور “السيلفي” بين النائبات والنوائب.. وكم هي معبرة الكلمات عما أصاب الوطن من نوائب ومصائب.
اللقطة الأولى لسيرك الانقلاب كانت كاشفة عما ينتظر الوطن في مقام التشريع والبنيان الديمقراطي على شكليته وزيفه من مخاطر مستقبلية يجب التنبه إليها وعدم الاكتفاء بالتهكم عليها؛ منها:
– مقرطة صورية للانقلاب: باستكمال متطلبات الشرعية الأساسية كما يدعون وهي في الحقيقة عملية شرعنة لباطل والتي يفهمها ويؤمن بها المنقلبون وخاصة قيادتهم العسكرية والمخابراتية: الشرعية القادمة من الخارج. فها هو برلمان منتخب، وها هم النوائب والنائبات، وكل أطياف المجتمع ممثلة؛ من شباب الانقلاب إلى شيوخه، ومن حريم الانقلاب وأشباه حريمه في مبالغة في تمثيل المرأة والتمركز حول الأنثى.. وها هم أساتذة الجامعة والقضاة والضباط والمخبرين.. وأساتذة القانون وما أدراك ما أساتذة القانون وترزيته الكبار! هذه الوظيفة هي من باب صناعة الصورة وترويج أن مصر قد صار فيها دستور وبرلمان، وهل الديمقراطية إلا دستور وبرلمان؟!
– الدور التدبيجي –في ثوب تهريجي- للتخريبات الانقلابية التي أخذت صيغا قانونية أسرف فيها الطرطور والمنقلب خلال السنتين الماضيتين، سواء في تكريس الاستبداد والفساد في الداخل، أم في بيع حقوق الوطن في ماء النيل وغاز البحر المتوسط وغيرهما في الخارج. هذا هو الدور الأول والأكبر لسيرك الانقلاب: دور الحاوي والمهرج الذي يخدع الشعب في إطار من الهزل والسخرية.. فتكرس قوانين القتل والاعتقال والمطاردة وغلق الحياة السياسية والعصف بالحقوق والحريات واستعباد الموظفين والعاملين بجهاز الدولة والتستر على المفسدين، وقوانين الصفقات المباشرة والبيع للأجانب، وقوانين الانقلاب على القوانين بما فيها ما يتعلق بالدفاع والمرافعات في القضايا الجنائية تيسيرا لقرارات الإعدام على نحو ما طلب المنقلب عيانا بيانا. تمرير جرائم الانقلاب في صورة انقلابية.
– شيطنة وتلويث وابتذال صورة العملية الديمقراطية حتى يكفر الناس بمؤسساتها كما كفروا أدواتها من الانتخابات والصناديق. فحين رأى الشعب الصناديق ضعيفة أمام الدبابة كفروا بجدواها ومغزاها، وحين يرون اليوم البرلمان سيركا يضم حواة ومهرجين وقردة ونسانيس وكلاب بحر ودببة وثعابين وحيات، يزهدون في معنى التقنين وفي قيمة القانون، ويهملون قيمة المراقبة والمحاسبة والمساءلة، … نوع من نشر وإفشاء العبثية واللاجدوى في نفوس المواطنين، حتى يصبح شعار المرحلة هو شعار محجوب عبد الدايم في القاهرة 30 –مع الاعتذار- (طظ)! وهذا ما يحاول الانقلاب نشره على المستويات كلها.
– التلهية باسم التسلية في مجتمع يحب النكات والضحك.. فسيكون الدور الثالث لهذا السيرك ملء فراغ العقل والوجدان المصري بدلا عن السياسة التي ترعى مصالحهم وتحمي حقوقهم وتبني وطنهم وتؤمن مستقبلهم.. السياسة أضحت عبئا وخطرا ومجالا محرما، فيستبدلون بها التهريج والمسرحيات الهزلية كما أشرنا من قبل: طلب إحاطة حول حالة مصانع البيض، أو سؤال لوزير أوقاف الانقلاب عن خطبة الجمعة الماضية التي خلت من الدعاء للمغتصب وعسكره وشرطجيته.. أو طرح الثقة في وزير لم يرد على اتصال تليفوني لنائب العصر أو نائبة الدهر.. وسجال وتلاسن بين نائبتين حول دور المتحدث العسكري السابق في جذب النساء.. الخ. هذه المهازل التي تدار من وراء ستارة شفافة.. نحن أمام مسرح عرائس كبير اعترف به حازم عبد العظيم لفظيا وغيره من دراويش الانقلاب سابقا ومن مروجيه.
– استكمال مهزلة التقنين الانقلابي: وهذه مصيبة المستقبل الوطني التي تطل علينا، فنحن ننتظر من هذا السيرك الخبيث ثعابين سامة وحيات قاتلة من القوانين التي ستجهز على ما تبقى من مساحات الوجود أو الحركة في الوطن.. هذا البرلمان سوف يزيد مساحات الاستبداد وأبواب الفساد ويوفر لها حماية قانونية غير مسبوقة.. فتوقع منه دولة أكثر توحشا وإيغالا في اغتيال المواطن والمواطنة.. هذا السيرك ليس للتهريج على الحقيقة لكن لقتل الوطن من أقرب طريق، وفي مشهد ظاهره الملهاة وباطنه العذاب والمأساة.
يجب أخذ هذه الخطوة على محمل الجد مهما كانت في نفسها هزلية؛ لأنها خطوة انقلابية يراد بها التلاعب بما تبقى في الوطن من حياة.. والحذر الحذر ممن يرى الوطن ومصيره وإنسانه مجالا للعب والتلاعب.
الوسوم
مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.