استخفاف السيسي والانقلاب الديني

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 6 يناير 2015
في خطاب عجيب في مفرداته، غريب في معانيه، جاء خطاب للمنقلب الرئيس في احتفال بالمولد النبوي جمع فيه جمهوراً من المشايخ، وأطلق في هذا الخطاب جملة من الأحكام والأوصاف لا يمكنها أن تصدر عن رئيس يحكم بلد أغلبيته من المسلمين، وبدا هذا الخطاب الذي حمل من المعاني التي استغرب لها القاصي والداني، واستنكر قليل من أهل العلم تلك الصياغات معلنين ليس فقط تحفظاتهم بل اعتراضاتهم، إلا أن هذه الأصوات كانت نادرة غاصت في ردود أفعال من جوقة المنافقين من إعلاميين ومن علماء السلطة يبادرون في معزوفة واحدة أن هذا الخطاب يعد غضبة للدين، ويؤكد الآخرون أن هذا الخطاب حمل دعوة لتجديد الخطاب الديني، وتأهب بعض هؤلاء ليتسابقوا في تلقف دعوته حول هذا الأمر، وانصرف أو بالأحرى تغافلوا عن كل التجاوزات التي ارتكبها المنقلب في هذا الخطاب وتشدقه بدعوة التجديد للخطاب الديني وضرورة الشروع فيها.
وغاية الأمر في ذلك أن تجد في كثير من الخطابات الدينية لمناسبات عدة غالبا ما كانت احتفالا بالمولد النبوي أو ليلة القدر فإن “المخلوع مبارك” حرص في تلك الخطابات الدينية بالذات أن يكون مؤديا قارئا لا متدخلا، ونبه عليه كثير من مستشاريه ألا يخرج على النص وذلك لحساسية أمر الدين ودخوله إلى مساحات التدين للشعب المصري من جانب، واحترما لدين الأغلبية من دون وضع أي احتمال لتأويل مضاد هنا أو هناك من جانب آخر، إلا أننا شهدنا في أول خطاب للمنقلب الرئيس في مناسبة دينية وهي المولد النبوي الشريف يعبر عن قدر كبير من التجديف والتجريف لهذا الخطاب الديني ممارسا كثير من التهويمات في المفردات أو المعاني والمتضمنات.
وإذ عبر بهذا الشأن عن خطاب يمكن تسميته بحق خطاب الاستخفاف الديني أو الاستخفاف بالدين مُنصبا نفسه عارفا بكل شئونه وخريطة أفكاره، متسائلا في اتهام وتعميم فاضح لعالم المسلمين بأسره من أنه يمارس القتل في المعمورة بكل أرجائها بحيث يتساءل مستنكرا كيف يمكن لهؤلاء المليار وستمائة مليون يقتلون كل الأخرين حتى يعيشوا وهو أمر واتهام لا يخلوا من عدم إلمام بحقيقة هذا التعميم الخطير ومآلاته، الذي يتهم أصحاب دين بعينه من أنهم من أهل القتل، وأنهم يهددون غيرهم، أي اتهام هذا الذي لم يجرأ عليه أي مستشرق متعصب من قبل أو أي سياسي انتهازي في الغرب يريد أن يشوه صورة الإسلام والمسلمين، أليس ذلك تجديف وتخريف.
وها هو يتهم الفكر ثم يعرج على النصوص المقدسة في إطار من التخليط حينما يتحدث عن “النصوص المقدسة” متهما إياها بأنها تعادي الدنيا كلها وأن هذه النصوص اكتسبت قدسيتها على مر مئات السنين ومن الصعب الخروج عليها ،”لازم نتوقف كثيرًا قدام الحالة اللي إحنا موجودين فيها»، مشيرًا إلى «نصوص وأفكار تم تقديسها على مئات السنين وأصبح الخروج عليها صعب .. لدرجة أنها بتعادي الدنيا كلها” خلط وتخليط، بين الفكر وبين النصوص المقدسة وبين الأعراف وبين كل هذه الأمور، فلا يعرف في ذلك أي تمييز ما بين النصوص المقدسة من كتاب منير وسنة شريفة صحيحة وماعداها من أفكار وأعراف ويجعل من كل ذلك على صعيد واحد يدلس فيه بخلط لا يملك فيه أي حجة أو برهان.
وبينما يتطرق إلى الحديث عن “ظواهر إرهابية يرفضها ديننا الحنيف” إذ يقول أن النبي عظم “حرمة النفس” كما ورد في مقاله وخطابه، أتدري من يتحدث عن “حرمة النفس”؛ هو الذي قتل الآلاف في مجازر الحرس الجمهوري والمنصة ومجزرتي رابعة والنهضة ومجازر ميدان رمسيس وآخرى ارتكبها بدم بارد ،وفي كشف عن تسرييات خطيرة يتحدث فيها صحبه عن “ثلاثين وحاجة” قتلوا في عربة الترحيلات مستهينين بالنفس الإنسانية ،أهذه هي حرمة النفس التي يعرفها؟ أم أنه لا يرى إلا بعين واحدة أو ببصر أعشى لا يتبين فيه حقيقة حرمة النفس التي انتهكها والأرواح التي أضاعها والكيان الإنساني الذي هدمه وقوض جوهره وأساسه.
ويقف موقف “المرشد والمعلم” ليتحدث عن التجديد ووصفته وعن الثورة الدينية وضرورتها وفي حقيقة الأمر أن هذه الاستخفافات التي مارسها في خطابه لا يمكن أن تنبئ عن ثقافة دينية رصينة إلا أن يقصد بالتجديد ذلك عملية تبديد لجوهر هذا الدين وما يمثله من هوية، وإن البحث في شأن التجديد وكل ما يتعلق به من ممارسات حقيقية لابد أن تتحفظ بل وتعترض على كل هذه التعميمات والتهويمات التي أطلقها في خطابه من دون أي رادع أو وازع حتى أنه قد وقف ـ وقد أعلن من قبل أنه كرئيس للدولة مسئول عن دين الناس ـ إذ يوجه حديثه إلى شيخ الأزهر وعلماء السلطان الذين استحضرهم بل هو يحاججهم، كل ذلك في لغة استعلائية رغم أنه لا يملك بأي حال من الأحوال أي أهلية للحديث في شأن التجديد، وطفق هؤلاء يستمعون ويصفقون بعد أن أعلن بأننا نحتاج “ثورة دينية”، وفي حقيقة الأمر كيف للمنقلب أن يعلن عن ثورة؟ إنه في حقيقة أمره لن يقوم إلا بانقلاب هذه المرة يقوم بإنقلابه الديني، إنقلاب على أصول مرعية وعلى نصوص تأسيسية وأساسية وعلى مقاصد عامة كلية.
وفي كل مرة سيجد من ذلك الظهير الديني ـ من علماء السلطة والانقلاب ـ من يساندونه فكما ساندوه في انقلابه السياسي سيساندوه في ذلك الانقلاب الديني الذي يجعل من الدين الإسلامي وعالم المسلمين محل اتهام وتجريم، ها نحن نرى سباقا بين مشايخ الأزهر ومشايخ الأوقاف وسحرة الإفك الإعلامى لتدبيج كل مقالات النفاق لدعوة التجديد وما هي في حقيقتها إلا تبديدا للخطاب الديني، وهو أمر يجعل من هؤلاء فضلا عن المنقلب الرئيس ليسوا محلا لثقة عموم الناس في الحفاظ على شئون دنياهم ودينهم، وهم محل محاججة شعوبهم يوم الدين حينما يقف الجميع أمام رب العالمين،تخافون المُنقلب ولا تخشون سوء المنقَلب؟!
الوسوم
مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.