أراضي الجزر بين الهيبة والخيبة

نَشْرٌ المقال في “عربي21” بتاريخ: 25 يوليو 2017
جزيرة الوراق.. مسرح معركة تشهد صراعا يختلط فيه القانوني بالسياسي والتجاري، ونرى مشهد التنازع بين حقوق المواطن البسيط والسلطة المتغولة، السلطات قررت إزالة المنازل على جزيرة الوراق بدعوى إقامتها على أراض للدولة.
بات “سيد الطفشان” ليلته الأخيرة على جزيرة الوراق النيلية في القاهرة ليصير صباحا حديث الناس ووسائل التواصل الاجتماعي، التي اختلفت بشأن تقييم موته بين من قال إنه شهيد الأرض خاصة حينما يأتي الحديث من عموم الناس وأهالي الوراق، وآخرون خاصة من أهل السلطة والأمن قال إنه قتيل الشغب ومقاومة السلطات، فقد قضى “سيد” في اشتباكات عنيفة وقعت الأحد 16 يونيو/حزيران 2017 بين سكان الجزيرة والشرطة التي انتقلت لتنفيذ أوامر إزالة لمنازل، فاشتعلت المساجد بالتكبيرات وحثت الأهالي على الصمود، وبعد ساعات من الاشتباكات، انسحبت الشرطة لتضرب حصاراً على الجزيرة، بمنع القوارب – وسيلة النقل الوحيدة- ووسائل الإعلام، من بلوغها.
ويبدو أن الوراق لن تكون الجزيرة الأخيرة المستهدفة بالإخلاء، إذ قالت مصادر حكومية لصحيفة المصري اليوم قبل شهر إن “رئاسة الجمهورية أصدرت تكليفات بإعادة إحياء مخطط تطوير الجزر النيلية الذى أعد في العام 2010، على أن تكون البداية جزيرة الوراق بالجيزة، لتصبح مركزا كبيرا للمال والأعمال، وأكد بيان لمجلس الوزراء أن “الحكومة مستمرة في التعامل بكل حسم وقوة مع ملف التعدي على الأراضي المملوكة للدولة”، وقرر المحامي العام الأول لنيابات شمالي الجيزة أمس الاثنين حبس تسعة أشخاص 15 يوما بتهم الشغب والتعدي على الشرطة وحيازة سلاح أثناء اشتباكات الوراق.
ويمارس سكان الجزيرة البالغ عددهم نحو ستين ألفا مهنا بسيطة كالزراعة والصيد، وتتبدى مظاهر الفقر بمعظم أنشطتهم الحياتية، في حين أن حجم الخدمات الحكومية المقدمة للسكان هزيلة، وتبلغ مساحة الجزيرة 1300 فدان وتشغل موقعا متميزا على نهر النيل، وأوضح البعض أن “محاولات بيع جزيرة الوراق لمستثمرين خليجيين ترجع لعشر سنوات مضت، وهو ما استدعى خوض الأهالي معركة قانونية لإثبات ملكيتهم للأرض، وفعلا حصلوا على حكم في القضية رقم 782 لسنة 62 ق بإلغاء البيع، عاندت الحكومة لصالح المشتري الخليجي، وأصدرت قرارا باعتبار الجزيرة محمية طبيعية لتطرد الأهالي منها، ولكن طعن على الحكم، فأوصت هيئة مفوضي الدولة بالمحكمة الإدارية العليا بإصدار حكمها النهائي بإلغاء هذا القرار الذي اعتبر جزيرة وراق الحضر محمية طبيعية، وأن هيئة مفوضي الدولة وصفت في تقريرها قرار تحويل الجزيرة إلى محمية طبيعية بأنه “يمثل فرض قيود على حق الملكية الخاصة المصون دستوريا، وأنه لم يكن سوى حلقة من حلقات محاولة نزع ملكية أراضي الجزيرة من قاطنيها ومحاولة للاعتداء على ملكياتهم الخاصة.
أشارت واحدة من المنظمات الحقوقية أن إخلاء جزيرة الوراق يعد تهجيرا قسريا مخالف للقوانين والأعراف الدولية والدستور المصري، وكذا فإن التعامل الأمني العنيف مع أي تجمع احتجاجي دون اكتراث لسلامة أو حياة المواطنين هو سلوك إجرامي لا يمكن تبريره، كما أن اعتماد النظام على القمع الأمني لإنفاذ إرادته لدليل واضح على انهيار الثقة من جانب المواطنين في كافة مؤسسات الدولة المصرية، وأوضحت تلك المنظمة أن المادة 63 من الدستور المصري نصت على أنه “يحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم”، ودعت المنظمة العربية لحقوق الإنسان المجتمع الدولي والأمين العام للأمم المتحدة إلى الضغط على السلطات المصرية لوقف تهجير أهالي جزيرة الوراق وإلغاء كافة المشاريع الرامية لذلك، واستبدالها بمشروعات أخرى تساهم في تطوير الجزيرة والارتقاء بمستوى المعيشة للفرد بداخلها.
في أحداث جزيرة الوراق قام رئيس الوزراء لحكومة الانقلاب شريف اسماعيل المشهور ب “الصايع الضايع” وفق تعبير “عباس كامل” كاتم سر السيسي أطل علينا بنباهته ليقدم لنا المبررات والمسوغات لفعل هذه التجريدة البوليسية والعسكرية التي شنتها الحكومة الأمنية على غِرة وبدون سابق إنذار على أهالي جزيرة الوراق، اعتدت عليهم وشرعت في هدم بناياتهم وحاصرت بقواتها هؤلاء الذين وقفوا في مواجهاتهم بصدور عارية لمواجهة هؤلاء الذين قرروا أن ينزعوهم عن أرضهم مستخفين بكل ما يتعلق بمعاشهم، يؤكد “الصايع الضايع” أنه من الضروري أن يواجه التعديات وأن يفعل ويتخذ من القرارات والسياسات ما يحافظ على هيبة الدولة، ونسى أو تناسى أنه هو أيضا من باع الجزر “تيران” و “وصنافير” وتنازل عنها باسم السيادة والهيبة وتغافل عن عمد عن كل تعديات الأكابر على نهر النيل ومياهه وحياضه لا لشيء إلا أنهم من “أكابر مجرميها” لا يقوى على مواجهتهم أو محاسبتهم بل ربما يحمي فسادهم شبكة ومؤسسات، وهنا تختفي الهيبة لتحل محلها الخيبة.
نسي هذا ووزير داخليته الذي يقوم كل يوم بالتصفية الجسدية خارج إطار القانون مستهينا بحرمة النفوس والأرواح، قائما بكل ما من شأنه الترويع والتفزيع، ولكنه في ذات الوقت يترك سلفه حبيب العدلي يَهرب أو يُهرّب تحت نظرهم وكأنه “فص ملح وداب”، يعلنون ذلك في صحفهم نكاية في هؤلاء الفقراء والبسطاء ضمن قانونهم الذي اعتمدوه من السادة والعبيد سادة من أكابر مجرميها أفسدوا فيها ولكنهم فوق الحساب والعقاب، وعبيد فقراء ضعفاء يرونهم كالزائدة الدودية التي تستحق البتر من دون رحمة وبلا إبطاء، هؤلاء العبيد يفعلون بهم ما شاءوا ليس من حقهم أرض وإن امتلكوها ولا بناء وإن أقاموه بعرقهم وبمزيد من شقاء عملهم.
يقوم هؤلاء ويخرج كبير مجرميهم ومنقلبهم الأكبر بالتأكيد أن هذه الجزر من مثل لا يجب أن يكون فيها من بشر وإنها إن لم تكن خالية فوجب أن تخلى، “أرض لا صاحب لها” قانون المستعمرين الأزلي لا يرون البشر ولكنهم لا يرون إلا المنافع التي تنعقد نيتهم أن يستأثروا بها، هم عالم أشياء وليسوا من صنوف البشر ومن هنا جاء هذا الملف الذي يتعلق بالأراضي الذي زعم كبيرهم أنه سيستردها ممن تعدى عليها يقصد بذلك فائض البشر من العبيد حتى وإن ملكوا حجية ملكهم أو أثبتوا قضائيا أنها من أرضهم، قال المنقلب أن هذه الأرض يجب أن تكون خالية ،ولكنه لا يقصد بأي حال هؤلاء الذين نهبوا الأراضي بسلطانهم ضمن عملية توزيع المغانم فيما بين عصابتهم وبطاناتهم.
إنه الملف الذي تفوح منه كل رائحة من الفساد والإفساد ولكن حسابهم ليس إلا حقا لهم يتصرفون فيه ما شاءوا ويغصبون ما أرادوا ويقيمون من مشروعات سياحية تجلب الرز والمال دون أدنى اعتبار لمعاني الإنسان.
أما هؤلاء ومعاشهم، أما هؤلاء وبيوتهم فلا ثمن لها، ليس لهم إلا تلك التجريدات الأمنية والبوليسية حتى لو وصل الأمر إلى القتل وإراقة الدماء لأن هؤلاء يدافعون عن أرضهم وعرضهم، فيصنفونهم أنهم من مثيري الشغب ومن هؤلاء الذين يستهدفون السلطات وقد ارتكبوا من قبل المخالفات والتعديات إنهم لا يستحقون إلا الحصار وما لهم إلا كل أمر يتعلق بالاستعباد ما لهم من وزن أو مقام. بل إنهم لم يتورعوا عن اتهام أهالي جزيرة الوراق بأنهم استهدفوا قوات الأمن بالخرطوش هكذا افتروا بأن الأهالي هم من ضربوا الأمن؟!.
كل ذلك يعني أننا أمام سلطة فاشية تمارس إذلال الناس ولم تعد تكترث لأحوالهم، وتنظر إللا الضعفاء الفقراء بأنهم لا لزوم لهم بل هم سقط متاع، ليس لهم أن يعارضوا أو يعترضوا ولكن عليهم أن يمتثلوا ويذعنوا، هذا حال المغتصب المستعمر الذي تغول بسلطانه الغاشم الطاغي واستخدم كل استراتيجيات الترويع والتجويع. وهو ما حدا بأحدهم أن يقول إنه “منذ الانسحاب والجزيرة محاصرة، فأصبح أهالي الجزيرة كالعالقين على حدود الدول المحتلة” متسائلا “أي سلطة غاشمة تلك التي قررت حصار مواطنيها على هذا النحو المجنون؟”.
الوسوم
مقالات ذات صلة

ابني.. محمد أبو الغيط.. القادم إلى الضياء
يرثي المقال الصحفي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط بعد وفاته بمرض السرطان، مشيداً بإنسانيته وإيمانه بالعدل والحرية والكرامة. يستعرض علاقته بالثورة المصرية وشغفه بخدمة الناس، كما يذكر إنجازاته الصحفية في تغطية قضايا إقليمية مهمة. يعبر الكاتب عن حزنه لوفاة أبو الغيط غريباً في لندن وعدم السماح بدفنه في مصر، منتقداً سياسات النظام التي تمنع حتى حق الدفن في الوطن. يختتم المقال بالإشارة إلى أمنية أبو الغيط الأخيرة بالإفراج عن والد زوجته المعتقل.

“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة
يتناول المقال استمرار المقاومة الفلسطينية في غزة عبر وسائل مبتكرة مثل “مسيرة العودة” و”جمعة الكاوتشوك”، كرد على الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات دول إقليمية كبرى وثيقة الصلة بالفلسطينيين ثنيها عن ذلك. يشدد على أن المقاومة تعبر عن إرادة شعبية راسخة لا يمكن لحماس أو غيرها إيقافها، وأنها تمثل ردًا على خيانة المتصهينين العرب ومساوماتهم. يؤكد أن هذه الأفعال المقاومة تجسد صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه رغم التواطؤ والدعم الدولي للاحتلال.

مسيرة العودة وصفقة القرن
يتحدث المقال عن “مسيرة العودة” الفلسطينية كفعل مقاومة قوي يوجه رسائل متعددة. الرسالة الأولى هي رفض العدوان الأمريكي الصهيوني المشترك وتفنيد تصوراتهم عن استسلام الفلسطينيين، وتحية أبطال المقاومة. الرسالة الثانية موجهة للحكام العرب المنبطحين الذين يفرطون في المقدسات والقضية الفلسطينية خوفًا على عروشهم، مذكّرًا إياهم بإرادة الشعوب. أما الرسالة الثالثة فهي للمغتصب المحتل والمستعمر بأن الأرض ليست محل مساومة، وأن الفلسطينيين متمسكون بحق العودة. يختتم المقال بالإشارة إلى أن مسيرة العودة هي بلاغة الفعل الصامت في وجه التخاذل والاحتلال، وتستعيد للأمة عزتها وكرامتها.