مَن يدقّ طبول الحرب الأهليّة؟

نَشْرٌ المقال في “العربي الجديد” بتاريخ: 06 فبراير 2015
هل هي طبول حرب أهلية، يدقها المفتونون بطغيانهم، العاملون لانقلابهم، العابثون بأوطانهم، المستهينون بشعبهم؟ أتساءل هل يمكن لهؤلاء حتى يُمكِّنوا لسلطانهم الغاصب أن يحرقوا الدنيا كلها، ويضحوا بوطنٍ، ويشعلوا الحروب بين مكونات الجماعة الوطنية، في إطار طلب مستأنف بعد صناعة بيئة كراهية وتحريض، بطلب بحشد وتفويض، فإذا كان التفويض الأول في 26 يوليو/ تموز 2013 “تفويضاً بالقتل”، تحت عنوان غامض يسمى الإرهاب المحتمل، فإن هذا التفويض، وعلى لسانه، ليس إلا “تفويضاً بالاقتتال”. وفي النهاية، كلا التفويضين شروع في الاستخفاف بالنفس البشرية، والروح الإنسانية تزهق بغير حق، وتسيل الدماء لمزيد من الشهداء. المهم أن يحيا الانقلاب، وكأن لسان حاله، وقد أطلق، في بداية خطابه، مدعياً أنه قام بما قام به من أجل أن يتحاشى حرباً أهلية، أوشكت أن تكون، وهو، هذه المرة، يشعل حرباً أهلية، حتى ينجح انقلابه ويتمكن، هل يمكن تصديق ذلك؟
أقول ذلك، بمناسبة صناعة الكراهية التي صارت حرفة الإفك الإعلامي التي بثّت كل مصادر الكراهية بين مَن ينتمي لجماعة وطنية متّحدة، وعيش مشترك واحد، وفي سياقٍ بدا يقسم الناس، بل ويقسم رب الناس (إحنا شعب وإنتو شعب، ليكو رب ولينا رب)، صناعة الكراهية التي تراكمت هي بمثابة مواد للاقتتال متفجرة، لا تقل خطورة عن زرع القنابل وصناعتها، لأن ما يترتب على هذه الصناعة أن تكون تلك بيئة قابلة لاقتتال أهلي، يخرج عن إطار السيطرة، فلماذا تلك الاستهانة بكل ما يتعلق بوطن وبشعب؟ هل يمكن أن نحافظ على وطن وشبكة علاقاته الاجتماعية، في ظل هذه البيئة القاتلة العفنة، المنتشر فيها فيروس الاستقطاب والاستبعاد والتنافي، الذي يحرك كل نوازع الكراهية المتبادلة التي لا يمكن إلا أن تقوّض جوهر وطنٍ، وتهدد تماسك الجماعة الوطنية لشعبٍ لا يملك من رصيده إلا قواعد تماسكه وأصول وحدته؟
وفي مشهد خطير، يأتي المنقلب، وقد قرر أن يستدعي ويستنفر مسانديه، هذه المرة، يريد أن يحشد، يريد أن يغطي على فشله وقصوره، بعد مذبحةٍ تمت على أرض سيناء لجنود يتركون لحال سبيلهم، في كل مرة، يقتلون بدم بارد، فيقول، أيضاً، بدم بارد “أنا قولتلكم أن هذه العمليات ستستمر، وأن هذه الأحداث ستتكرر”، مدعياً، بعد ذلك، أنه لم يكذب علينا. يا هذا ما هي، إذن، وظيفتك؟ تترك أولادنا يقتلون، ثم تقول إنني لم أعدكم بشيء، إلا بالمزيد من تكرار هذه الحوادث، ومزيد من القتلى والشهداء. كيف يمكن لشعب أن يقبل ذلك، ويُستدعى الحشد للوقوف مسانداً، خلف نموذج للفشل؟ فشل في حماية الجنود، ويفشل كل يوم في حماية الحدود، ثم يدعي، بعد ذلك، أن الوطن في معركة وجود. لو أنت في معركة وجود ألا تستعد لهذه المعركة بحقها، وتحمي جنودك الذين هم مادة دفاعك؟
استدعى هؤلاء، وجلس يوزع الممازحات، من دون أدنى مراعاة لما فيه مصر من أزمات، حتى أن أكاديمياً كتب أنه يدير اجتماعاته، وكأنه يطلب “النقطة” في فرح “بلدي” شعبي، يمازح بعضهم على دماء الأبناء والضعفاء والشهداء، مستخدماً مفردات الفشل نفسها: حرب الوجود، والإرهاب المحتمل، والعنف المتصاعد، والتنظيم السري، والمؤامرة الكونية، وحروب الجيل الرابع، والإحالة للخارج، مهدداً ومتوعداً دولاً لم يذكرها بالاسم، مستغلاً بيئة التحريض ممّا حرثه إعلاميو الإفك من “زرع الكراهية” في المجتمع، واتهامات معتادة لحركة حماس وكتائب القسام. وفي النهاية، يتفتق الذهن عن تجديد تفويض (restart). إنها لعبة الحشد، مرة أخرى، عنوانها تصدير الخطر، مزيد من الفشل، ممارسات التخويف والترويع، فما بعد التحريض إلا التفويض.
حينما يكون الحدث عنوان القصور والفشل والانشغال عن كل عمل ووظيفة وأدوار ومواجهة المشكلات الحقيقية، وليس بادعاء قضايا زائفة، أو مصطنعة، فلا يأتي هؤلاء الفَشَلَة إلا بخطاب الفشل؛ خطاب استنفار في مقام أخوة الوطن، وخطاب استعداء في مقام شراكة شعب، وخطاب استئصال في مقام التعدد والتكامل، وخطاب مواجهة، يدق طبول حروب أهلية واقتتال أهلي، نحن على أعتابه، وتشرع للأسف أبوابه، حينما يقول المنقلب “إنه لن يكبل يد من يريد أن ينتقم لشهداء سيناء”. وفي إطار خطاب الخلط المتعمد والمقصود، للإحالة بالمسؤولية ومحاولة التنصل منها، فإنه يلقيها على شماعة “الإخوان” وحماس. في كل مرة، سيعلق فشله على هذه الشماعات. هذا هو الإرهاب المحتمل، والعنف المتعمد، وهذا مصدره، لكنه، في كل مرة، وعلى الرغم من تواتر هذه الأفعال، وتكرار مثل هذه الأحداث، لم يتحدث عن تقصير، بل هو يشكر كل من هبّ ودبّ على فطنته وحذره وعلى قدرته وتنبّهه، أي تنبّه هذا يمكن أن نشير إليه في أحداث يقع فيها هذا العدد الكبير من الشهداء من جنود مصر وضباطها.
وفي هذا المقام، ستخرج كلاب الحراسة تنبح، وحَمَلة المباخر يتقدمون زفّة الحشد التفويضي، تحريض فتفويض فتقويض، تقويض وطن، ووشائج شعب، وقدرات أمة. وفي هذه المرة، يستخدم أذرعه الإعلامية الدنيئة بأساليبهم في الإفك الإعلامي والتضليل والتعبئة، وفق رؤية “عباس” (بتوعنا)، (نهيجهم) (نلبسهم العمة)، فإذا ما نادى عليهم، أو أمرهم، أتى الخدام يزيدون من نباحهم “اقتلوهم، افرم يا سيسي، الشعب يطالب بإعدام الإخوان”، بل وتخرج الصحف محتفية بجماعاتٍ تنشأ، تهدد بحرق منازل المعارضين وممتلكاتهم، إنهم دائماً “في خدمة الباشا”، ينفذون ما يؤمَرون، فعلى ماذا يحرضون، وعلى أي شيء يفوضون؟ أفلا يعقلون؟ إنهم لأصول وطن يقوضون، ولعلاقات شعب يمزقون، ولمناخ الكراهية يصنعون ويزرعون. أنذر وأحذّر أن الوطن لن يمرر الأمر، هذه المرة، بلا حساب، لكل من يحاول إذكاء بيئة تحريض، أو استدعاء زيف تفويض، أو من يعمل في مسارٍ لا نجني منه سوى التقويض.
الوسوم
مقالات ذات صلة

لا تأمنوا تزويركم
يتناول المقال قضية التزوير التي يمارسها النظام الانقلابي في مصر، ويرى الكاتب أن هذا التزوير ليس مقتصراً على الانتخابات والاستفتاءات، بل هو استراتيجية شاملة يتبعها النظام في مختلف جوانب الحياة. ينتقد الكاتب استخدام النظام لخطاب “نور عينينا” لتزييف الواقع، وتشويه صورة الشعب، وتزوير الديمقراطية وحقوق الإنسان. يخلص الكاتب إلى أن التزوير أصبح حالة مجتمعية شاملة، وأن النظام يسعى إلى تزوير كل شيء، بما في ذلك الثورة وإرادة الشعب.

مشهد الثورات والمضادين للثورة
يتناول المقال الدور الذي تلعبه الثورات المضادة في محاصرة الثورات العربية، ويرى الكاتب أن هذه الثورات المضادة تسعى إلى تحويل مشاهد الثورة إلى حروب أهلية وانقلابات عسكرية. ينتقد الكاتب الدعم الإقليمي والدولي الذي تتلقاه الثورات المضادة، ويرى أنه يهدف إلى وأد أي محاولة للتغيير في المنطقة. ومع ذلك، يؤكد الكاتب أن الثورات لا يمكن أن تموت، وأن إرادة الشعوب ستنتصر في النهاية.

الجزائر.. دروس الانتقال والثورة الملهمة
يتناول المقال الموجة الثانية من الثورات العربية التي بدأت في الجزائر والسودان، ويرى الكاتب أن هذه الثورات تمثل استئنافاً للأمل في التغيير، بعد أن تمكنت الثورات المضادة من محاصرة الموجة الأولى. يركز الكاتب بشكل خاص على الثورة الجزائرية، ويرى أنها تمثل حالة ملهمة، وينصح الثوار الجزائريين بتجنب أخطاء الموجة الأولى من الثورات العربية، والتركيز على إدارة المرحلة الانتقالية بشكل جيد.