دولة مافيشستان

دولة مافيشستان

نَشْرٌ المقال في “العربي الجديد” بتاريخ: 12 سبتمبر 2014

إلى دعاة الدولتية؛ ممن يصرخون، ليل نهار، في وجوه المصريين: إياكم والدولة، احذروا أن تنهار الدولة، في البدء كانت الدولة، وفي النهاية تكون الدولة.. نقول لهم: نعم، إذا كانت (دولة)، لا شبح دولة، ولا وهم دولة، ولا دولة (كأن)، فضلا عن أن تكون دولة الضد، على نحو ما تكشف لنا. نقول لهم: ألا تستحون أن تتحدثوا عن الدولة، وقد قدمتم لنا أبخس نماذجها، وأخسَّ صورها، نموذجاً هزيلاً، وصورة هزلية لدولة المساخر، لا عنوان لها إلا ما ترددونه من مقولة (مافيش)، حتى جعلتم منها بكل جدارة واستحقاق: دولة مافيشستان؟!

أين سلطات دولة مافيشستان؟ ما فيش. دولة مافيش قانون، لأن القضاء تم القضاء عليه، حتى صرنا أمام سارقٍ لا يسأل، وقاتل لا يُساءل، ومضيّع لا يعقب عليه، ومخرب لا يعاقب.. دولة قضاؤها عدم وإعدام، وظلم وظلام، لا يجد فيها من أهدر حقه إلا أن يستتر، حتى لا تضيع بقية حقوقه، بل حياته. إن دولةً بلا قضاء حقيقي ينصف المظلوم هي ردة بكل معاني الكلمة إلى حالة الغابة المتوحشة وقانون القوة لا قوة القانون.. وساعتها تعرف أنك في جمهورية مافيشستان المتوحشة.

أين سلطة التشريع في مصر؟ كانت في زمن حسني مبارك حرزاً لدى (سيد قراره) المزور، ثم بعد الثورة، حرص على الاستحواذ عليها العسكر، كي يحافظ على منظومة قوانين المخلوع، بفسادها واستبدادها وما وراءها من دولة عميقة. وحين اختار الشعب مجلساً تشريعياً بإرادة حرة نزيهة، قامت قيامة الخاسرين الحائزين من الشعب أقل القليل، وحاصروا البرلمان من أول يوم، حتى يعود التشريع إلى العسكر؛ لأنه لا بديل.. وحين انتخب الشعب رئيساً، استمرت محاصرة دوره التشريعي، ومطاردة كل فكرة تشريعية له بأسوأ الأساليب، والاستشهاد بالخطأ منه على ما هو صواب ومن حقه.. واليوم، يشرع لهم حلف العسكر-الفلول-الأقلية السياسية، والإرادة الشعبية لسان حالها: مافيش.. أنت في دولة مافيشستان.

بل أين الدستور؟ دستور الحقوق والحريات؟ الدستور أولاً؟ لم يعد أولاً ولا آخرا.. مافيش.

مؤسسات الدولة في حالة (مافيش) كبرى: المؤسسة العسكرية التي يراد إرهاب الناس من الحديث عنها تورط نفسها بانقلابٍ على الشرعية، وتختلق شرعية مسلحة (!)، ثم تخوض في وحلة اختراع كفتجي وانتهى إلى مافيش، وتشارك الشركات والمستثمرين أرزاقهم. ومع هذا، تطاردهم للتبرع والتطوع الجبري (هاتدفع يعني هاتدفع)، وإذا سألوا عن المقابل، وحين يبحثون عن مساحة إلى جوارها، فالجواب: أنتم في دولة مافيشستان.

المؤسسة الدينية التي علا صوتها بعد الثورة، واعترف شيوخها، بالصوت والصورة، أنهم كانوا في مؤسسة (مافيش) قبل الثورة، وأنه آن لهم أن يعبّروا عن أنفسهم، ها هم بعد الانقلاب الذي التحف بهم، يعودون علماء لدولة مافيشستان.. لا دعوة ولا خطاب دينياً ولا فتوى ولا تعليم شرعياً ولا رأي لهم، ولا مشورة ولا نصيحة إلا ما سمح به، أو دفع إليه، المافيشيون. وترى كثيراً منهم يقولون ويثرثرون، وعلمهم وعملهم، وثقافتهم وفهمهم، وثمرتهم وأثرهم.. مافيش. كذلك الكنيسة التي لم تعد مؤسسة دين تقبع تحت جنح عباءة الانقلاب، ولم نعد نسمع لها في قضايا الوطن إلا الموافقة والتهليل. المؤسسات الإعلامية والتعليمية والإعلامية والأدبية والفنية كلها تشيد أركان دولة مافيشستان: فلا وعي ولا توعية، ولا أخلاق ولا تربية، ولا ثقافة ولا ترقية، ولا ذوق ولا حس.. إنما مجون باسم الفنون، وجنون باسم الإعلام، وتعليم كراهية وثقافة انقسام. مرحبا بكم في جمهورية مافيشستان.

أين الزارع وما زرع؟ والصانع وما صنع؟ والمعلم وما علم؟ والعامل وما عمل؟ والطبيب وما عالج وداوى، والمهندس وما بنى وأعلى؟ وكل منتج وما أنتج؟ ما فيش. بل قل أين المستورد وما استورد؟ والمستغل وما استغل؟ بلا دولة ترعى وتراقب، أو تحفز الإيجابي وتدعم، أو تمنع الإضرار بالغير أو تعاقب؟ لا تسمع لها حساً، ولا ترى لها ظلاً. إنها دولة مافيشستان.

دولة خطابها الرئاسي دال عليها: بدايةً من اللمبة الموفرة وحتى (أنا عاوز.. أنا عاوز..)، مروراً بما هو معروف، اليوم، بيننا ولم يكن يخطر على بال أحد من قبل: أن الشعب، وخصوصاً، طبقاته المفقرة المهشمة، هم من سيدفعون للبطل القومي، لكي يزيدهم بؤساً وجوعاً وتشرداً. رئيس الحكومة يعلن للعالم أننا نحظى بأفضل إدارة للكهرباء في العالم، ثم لا يلبث إلا قليلاً حتى تقع الفضيحة: كهرباء مافيش، وعلى إثرها تجد كل شيء: مياه شرب، مصانع وإنتاج، مترو الأنفاق، أسانسيرات… مافيش؟ وعند خروج البطل لتقديم الحل، نجد أننا في دولة عاوزستان.. عاوز منكم فلوس، بعد الـمائة مليار جنيه، مطلوب 13 مليار دولار؛ أي قريبا من المائة مليار جنيه!

هكذا، في خطاب أمير الظلام الظالم جاء يسوق فشله مبررا “محدش يجي يقولي السنة اللي جاية إنت معملتش.. هو أنتم مكنتوش متوقعين أن ده هيحصل”، ويظهر غضبه من تندر إحدى الصحف، حينما كتبت “الحكومة منورة”، فيصادر حتى السخرية، حتى السخرية “مفيش”.

يذكّرنا هذا الخطاب بمسرحيةٍ يقول فيها الرجل لصديقه: اطلب ما تشاء، أنا تحت أمرك. وبمجرد أن قال الصديق: أنا عايز.. قاطعه: وأنا كمان عايز… يبقى أنت عايز وأنا عايز، يبقى نشوف حد يدينا (يعطينا).

ناس كثيرة لم تصدق بعد أننا في دولة المافيشستان؛ مثلا: صدق آلاف من الشباب أنهم سيعينون 30 ألف مدرس، بعد أن صرح بذلك كبيرهم، ومضت جحافلهم يجهزون أوراقهم وآمالهم. ومن الصباح الباكر، توجهوا إلى مديريات التعليم، ليجدوا الرد القديم الجديد: (احنا منعرفش أي حاجة عن الكلام ده، وما جلناش أي قرار وزاري)، يعني الموضوع فنكووووووش.

مرحبا بكم في دولتكم الجديدة، دولة مافيشستان.

مقالات ذات صلة

المحاسبة على طريق الطاغية
المقالاتعامة

المحاسبة على طريق الطاغية

يتناول المقال محاولة عبد الفتاح السيسي التهرب من المسؤولية عن قتل المتظاهرين في مصر خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة 25 يناير. يرى الكاتب أن السيسي يروي “حكاية سردية” تطمس الحقائق، ويتهم السيسي بتلفيق التهم لـ “الإخوان المسلمين”، وبمحاولة شيطنة الأحداث. ينتقد الكاتب خطاب السيسي، ويرى أنه يهدف إلى تبرئة نفسه من المسؤولية عن قتل المتظاهرين.

مصر.. رائحة الموت في كل مكان
المقالاتعامة

مصر.. رائحة الموت في كل مكان

يتناول المقال سلسلة من حوادث الموت في مصر، ويرى الكاتب أن هذه الحوادث تكشف عن استخفاف النظام المصري بحياة المواطنين. ينتقد الكاتب عمليات الإعدام المتكررة، والتصفيات خارج إطار القانون، وحوادث القطارات، وحالات الانتحار، ويرى أن كل هذه الحوادث تعكس “رائحة الموت” التي تفوح في مصر. يتهم الكاتب النظام المصري بأنه “تاجر الموت”، وأنه يستمتع بإراقة الدماء.

في مصر.. نقدر
المقالاتعامة

في مصر.. نقدر

يتناول المقال ذكرى ثورة 25 يناير المصرية، ويرى الكاتب أن هذه الثورة أثبتت قدرة الشعوب على التعبير عن إرادتها، وأنها كانت بمثابة “ضربة البداية لمعركة التغيير الجذري”. ينتقد الكاتب في الوقت ذاته النخبة المصرية، ويتهمها بأنها تخلت عن دورها في دعم الثورة، وأنها تبنت خطاب المستبدين. يحذر الكاتب من محاولات الثورة المضادة لإجهاض الثورات العربية، ويدعو الشعب المصري إلى مواجهة هذه المحاولات، وإلى استعادة روح ثورة يناير.