القاتل الملعون

القاتل الملعون

نَشْرٌ المقال في “العربي الجديد” بتاريخ: 14 سبتمبر 2018

طالعتنا الصحف بخبرٍ عن كاتبٍ ينقل عن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، محادثة هاتفية إبّان مطالبته المنقلب عبد الفتاح السيسي بأن يفرج، فورا وبلا إبطاء، عن الناشطة المصرية، أميركية الجنسية، آية حجازي، وزوجها اللذين كانا تحت الاعتقال، وخرج ترامب حين ذلك يتحدّث مفتخرا أنه استطاع بالأمر المباشر أن يفرج عن آية حجازي في لحظاتٍ معدودات، بعد أن فشل أوباما في تحقيق تقدّم في هذا الملف، وسرعان ما عدّ ترامب حينذاك هذا الإفراج واحدا من إنجازاته. ولا شك أنه بالاعتبار أن الذي يؤدي إلى الإفراج عن أي مظلوم، أيا كان توجهه السياسي، أمر يجب أن يكون محل ترحيبنا. وكان ذلك يعد إنجازا لا يقل عن ذلك الإنجاز الذي حدث مع الناشط المصري، أميركي الجنسية، محمد سلطان، حينما أفرج عنه.

هذا بالنسبة لهؤلاء المظلومين لأي من المعتقلين في صفوف السيسي، إلا أن الخطير بحق أن هؤلاء المستبدين الذين يستأسدون ويستطيلون علينا، ويحاولون ممارسة كل أمر يتعلق بمحاولة التنكيل بشرفاء مصر وكرمائها. وعلى الرغم من أنه يتبع كل فعل لئيم فيما يتعلق بمعاملة المعتقلين والمسجونين. وعلى الرغم من ذلك الغدر البادي ضمن سلوكيات إجرامية في إطار الاختطافات القسرية، والقتل والتصفية الجسدية خارج إطار القانون، ليعبر بذلك عن حالة غير مسبوقة في التعامل مع أبناء هذا الوطن، فيما يصنفهم من خصومه أو معارضيه، وأنه يعتقل كل من يتجرأ ويبدي احتجاجا ولو بشطر كلمة، فاصطنع بحق جمهورية خوفٍ، بكل ما يشكل حالة ترويع وتفزيع لكل المواطنين في مصر، وقد تحوّل الوطن إلى سجن كبير من فرط هذه السياسات التي اتّخذها واتبعها، وجعلها أسلوبا وطريقة يمارس فيها كل أنواع الظلم الممنهج من قتل وتعذيب واعتقال واختطاف ومطاردة، وشكل ذلك كله تحول مصر بحق إلى “مصر المحبوسة”.

هذا الاستئساد والاستقواء الذي يمارسه السيسي المنقلب على شعب مصر الأعزل يشكّل أحطّ أنواع السياسات التي يقوم بها المستبد. ولذلك لا تستغرب أن يصفه ترامب الذي أمره بالإفراج عن آية حجازي بأنه “القاتل الملعون”، مشيرا إلى أن هذا المنقلب من أخسّ أنواع القتلة، ويمارس أسفل أنواع الغدر، في مجتمعه وفي علاقاته بهؤلاء الذين يعيشون على أرض مصر. ومن هنا تأتي المشاهد لتؤكد صدق هذا الوصف، متزامنة، لتشكل السياق لهذا القاتل الملعون الموصوف بذلك.

هل أتاك حديث الناشط السيناوي (من سيناء) حسام الشوربجي، حينما يستعرض هذا المنقلب قوةً يحاول من خلالها أن يروّع النساء والأطفال في منزل أهله في العريش. يمنع هؤلاء الزبانية استقواء بالسلطة والسلاح بكل جحودٍ وخروجٍ على أدنى قواعد التعامل الإنساني، حينما يرغمون ويجبرون جيرانهم على ألا يقوم أي منهم بأي مساعدةٍ أو مواساة لهم. هذا التمثيل الذي تقوم به أجهزة المنقلب، بأوامر منه، في محاولة للتنكيل والانتقام بالأهالي والأقارب، إنما يشكل أخسّ أنواع ممارسة الاستبداد. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل هدم هؤلاء البيت وأحرقوه، تاركين الأطفال والنساء في عرض الشارع، ليس لهم من مأوى في مشهدٍ لا نراه إلا في ممارسات الكيان الصهيوني.

هل أتاك حديث رائد سلامة، حينما ذهبوا إلى القبض عليه واعتقاله، بعد اعتقال السفير معصوم مرزوق والدكتور يحيى القزاز، فلم يجدوه، فاتخذوا من زوجته وابنه وابنته الطفلين اللذيْن لم يتجاوزا الخمس سنوات والثماني كأنهم رهائن، حتى يقوم بتسليم نفسه في مشهدٍ عجيبٍ وغريب يشكل أخسّ المظاهر في التعامل مع مواطن مصري. إنه القاتل الملعون، وصفٌ لا يغادره، يشكل الحقيقة الكبرى في وصف سلوك إجرامه الذي تدنّى إلى أدنى الدركات. يؤكد ذلك كله على سلوكياتٍ تعبر عن أخسّ السياسات الاستبدادية والفاشية في مصر المحبوسة، ثم يقول لعموم الناس سترون مصر في مكان آخر في سنة 2020، أي مكان هذا الذي وضع فيه المواطن والإنسان، أي مكانٍ هذا الذي وضع فيه الوطن، حينما بدّد ثروته، وفرّط في نيله، وفي غازه، بل وباع أرضه بثمن بخس، ضمن مقولته الشهيرة “لو ينفع أتباع .. لاتباع”!.

لا تستغرب بعد هذا أن يختطف هذا المنقلب كل المؤسسات في مصر، المرهونة تحت يديه، لينفذ هؤلاء كل ما يتعلق باستراتيجيات الترويع والتجويع، فصادر أموال 1589 شخصا و 1133 جمعية أهلية، و118 شركة، إضافة إلى 69 مستشفى و33 موقعا إخباريا، علاوة على 104 مدارس خاصة. ففي هذا الإطار، تطالعنا الصحف بمصادرة أموال من سمّاهم الإرهابيين وفق وصفه، وما يستحق وصف الإرهاب إلا هو بفعله وسياساته، إلا بقتله وبغدره، إن هذه المصادرات لهذه الأموال لأفراد وشركات، إنما تعبر عن نمطٍ من المطاردة في إطار الاستيلاء على أموال هؤلاء من أشخاصٍ وشركاتٍ وجمعياتٍ ضمن حالة من البلطجة والنهب المنظم التي يلاحظها كل ذي عينين في بر “مصر المحبوسة”.

ويأتي ذلك المشهد الذي يتعلق بعملية قتل مركّب، ليستحق هذا الوصف الذي يصفه بالقاتل الملعون، بعد أن ارتكب جريمتيه في ميداني رابعة العدوية والنهضة وارتكب مجازره قبلهما وبعدهما، سلسلة من المجازر يرتكبها بدم بارد، لا يراعي في حرمة النفس الانسانية إلا ولا ذمّة. يستخفّ بحرمة النفس فيهدر الدماء، ويقوم بكل أمر يتعلق بإهدار الحقوق التأسيسية في الحياة، ثم يمارس مزيدا من بجاحته، لينادي على زبانيته أن اعتقلوا كل من نجا، قوموا بإعدامهم في مجزرة أخرى. ولكن يرتكب تلك المجزرة حكم قضاء، وما هو بقضاء، وتصديق مفتٍ، لم يعد يحسن أي دور أو وظيفة سوى التصديق على أحكام ظالمة فاجرة، فيحكم بالإعدام على 75 وعلى 47 شخصا بالمؤبد، والسجن 15 عاما لـ 374 وعشر سنوات لـ22 طفلا، علاوة على حصول 215 على خمس سنوات، ليؤكد ذلك على حال الاستخفاف بالإنسان والمواطن الذي لم تشر إليه الهيئات غير الحكومية، المدافعة عن حقوق الإنسان فحسب، بل أكّدت على ذلك مفوضية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ثم يواصل هذا باختطاف المؤسسات، فيوجّه وزارة خارجيته، لتمارس مزيدا من بجاحته، منتقدة عن طريق المتحدّث الرسمي، متهما تصريحات المفوضيّة بالخروج على الحيادية، أي حياديةٍ تلك، يقوم بها هذا المستبد العاتي، والقاتل الفاشي، حينما يمارس كل هذه الجرائم، مستخفّا بأهم حقوقه التأسيسية المرتبطة بحياته وكيانه. لم تكن إلا تلك الفضيحة المدويّة إلا في تصريحات ترامب، واصفا السيسي بأنه “القاتل الملعون”.

مقالات ذات صلة

المحاسبة على طريق الطاغية
المقالاتعامة

المحاسبة على طريق الطاغية

يتناول المقال محاولة عبد الفتاح السيسي التهرب من المسؤولية عن قتل المتظاهرين في مصر خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة 25 يناير. يرى الكاتب أن السيسي يروي “حكاية سردية” تطمس الحقائق، ويتهم السيسي بتلفيق التهم لـ “الإخوان المسلمين”، وبمحاولة شيطنة الأحداث. ينتقد الكاتب خطاب السيسي، ويرى أنه يهدف إلى تبرئة نفسه من المسؤولية عن قتل المتظاهرين.

مصر.. رائحة الموت في كل مكان
المقالاتعامة

مصر.. رائحة الموت في كل مكان

يتناول المقال سلسلة من حوادث الموت في مصر، ويرى الكاتب أن هذه الحوادث تكشف عن استخفاف النظام المصري بحياة المواطنين. ينتقد الكاتب عمليات الإعدام المتكررة، والتصفيات خارج إطار القانون، وحوادث القطارات، وحالات الانتحار، ويرى أن كل هذه الحوادث تعكس “رائحة الموت” التي تفوح في مصر. يتهم الكاتب النظام المصري بأنه “تاجر الموت”، وأنه يستمتع بإراقة الدماء.

في مصر.. نقدر
المقالاتعامة

في مصر.. نقدر

يتناول المقال ذكرى ثورة 25 يناير المصرية، ويرى الكاتب أن هذه الثورة أثبتت قدرة الشعوب على التعبير عن إرادتها، وأنها كانت بمثابة “ضربة البداية لمعركة التغيير الجذري”. ينتقد الكاتب في الوقت ذاته النخبة المصرية، ويتهمها بأنها تخلت عن دورها في دعم الثورة، وأنها تبنت خطاب المستبدين. يحذر الكاتب من محاولات الثورة المضادة لإجهاض الثورات العربية، ويدعو الشعب المصري إلى مواجهة هذه المحاولات، وإلى استعادة روح ثورة يناير.