التغيير الكبير وعملية الإصلاح

التغيير الكبير وعملية الإصلاح

نَشْرٌ المقال في “العربي الجديد” بتاريخ: 24 يونيو 2022

بعد أن قطعت مقالاتٌ سابقةٌ للكاتب أشواطًا في تجلية بعض الهوامش على الظاهرة الاستبدادية، ووصلت إلى الباب الذي يتعلق بتفكيك تلك المقولات التي ترتبط بتسويغ فكرة الاستبداد ضمن مقولات اتخذت شعارات، ربما تحتضن ذلك الخطاب الاستبدادي وتلك السياسات الطغيانية والاستراتيجيات المختلفة التي ترتبط به، من المهم، بعد تجلية هذه الهوامش المختلفة، تناول كل المسائل التي تتعلق بعمليات التغيير الكبير الذي نستطيع أن نقول إنه حادثٌ لا محالة في منطقتنا، بل في العالم أجمع، ذلك أن هذا التغيير الكبير الذي تقترن به إرهاصاتٌ مهمةٌ تؤشّر على بعض ملامحه إنما تؤكّد على أن علم الاستبداد الذي أشير إليه آنفا كضرورة يجب أن تشرع في تأسيس أدوات وآليات لتفكيك هذه الظاهرة الاستبدادية في عالمنا المعاصر، سواء ارتبطت بعوامل داخلية وقابليات أساسية، أو ببيئة دولية وإقليمية سوّغت، بشكل أو بآخر، هذا الاستبداد وإسناده ودعمه بشكل مباشر وغير مباشر.

صحيحٌ أنه لا يوجد في حقل الظواهر السياسية والإنسانية في مجتمعاتنا الداخلية أو المحلية، وكذلك في البيئة الإقليمية والمنظومة الدولية، أي أمر يتمتع باليقين، إلا أن حدوث هذا التغيير الاستراتيجي القادم هو أحد ملامح هذا اليقين، والذي يقع ضمن تغييرات كبرى في المشاهد المختلفة، وعلى قمتها المشهد السياسي، وما يرتبط به من تغييرات في مجالات أخرى، ومن أدوات ومسالك استجدّت تجعل من ذلك التغيير واضحًا للعيان في إطار الرصد لهذه الملامح والظواهر التي نراها في أرجاء المعمورة، وفي جملة العلاقات والتحالفات والاستراتيجيات والحروب؛ وكذلك الأشكال التي تتعلق بالأزمات الداخلية والدولية التي تصادف عالم الأحداث بما يتواكب معه من تحولاتٍ شتّى في عالم الأفكار وفي عالم الأشياء.

تشكّل الثورات إحدى أهم الفرص المهمة في عمليات التغيير والإصلاح، إذ تشرع الباب واسعا للقيام بهذه العمليات، في ضوء تصوّر رؤية استراتيجية إصلاحية كبرى

البحث حول هذا التغيير الاستراتيجي وأهم سماته يفترض من كل هؤلاء الذين يهتمون بهذا التغيير ملامح ومسارات مستقبلية دراسة السنن والقوانين الفاعلة في هذا التغيير المقبل، فمؤكّد أن هذا التغيير قد فرض على الجميع إعادة تموضع تجعل من هؤلاء الذين يُحسنون قراءة هذا التغيير ضمن قوانينه الكلية، وتكوين البصائر الاستراتيجية التي تستشرف هذا التغيير والقدرة على الٍإسهام فيه؛ إنما هي عمليةُ شديدة التعقيد تفترض، في حقيقة الأمر، القدرة على الإمساك بتلك المفاصل التي تتحكّم في مسارات ومصائر تتعلق بهذا التغيير، ومن ثم فإن قراءة الذاكرة التاريخية والحضارية، وقراءة الواقع، بكل تشابكاته وامتداداته وتداخلاته وتعقيداته، هي من أهم الشروط الأساسية لبناء رؤية مستقبلية لهذا التغيير، والقدرة على الإسهام فيه، والوعي بمآلاته وتأثيراته، بحيث يجعل من هذه القوى التي لها مصلحة في عمليات التغيير المنشود أن تجعل ذلك التغيير وتستثمره، فيكون في آثاره ونتائجه يصبّ في مصلحتها، وفي مقاصد هذه القوى من عمليات التغيير والإصلاح للموجود والبحث في مناحي الإصلاح المفقود، وذلك بلوغا للمقصود والمنشود.

ونؤكّد في الحقيقة أننا من مدرسةٍ ترى في الإصلاح هدفا ومقصودا ومفهوما تأسيسا لا نضعه في أي حال في قبالة هذا الفريق الذي يؤمن بالثورة، إن عملية الإصلاح في مضمونها الاستراتيجي شاملة تجعل من الثورات والانتفاضات والاحتجاجات ومسالك المقاومة المختلفة إحدى أهم الوسائل والآليات التي تتعلق بعملية الإصلاح، كذلك فإننا من مدرسةٍ ترى أن الإصلاح يمكن أن يكون جذريا وأساسيا، كما يمكن أن يكون تدريجيا ومرحليا، من دون أن نربط فكرة الإصلاح بالتدريج، وفكرة الثورة بالجذرية والراديكالية والتغيير الفوري والسريع، واتخاذ الإصلاح مظلة لكل تلك الأدوات في مناحيها المختلفة، سواء أكان الإصلاح عمليات تربوية أو في ميادين اجتماعية أو تتعلق بأحوال ثقافية، فإنه كذلك يمكن أن يكون إداريا أو اقتصاديا أو سياسيا أو تشريعيا وقانونيا. وبهذا تشكل الثورات إحدى أهم الفرص المهمة في عمليات التغيير والإصلاح، إذ تشرع الباب واسعا للقيام بهذه العمليات، في ضوء تصوّر رؤية استراتيجية إصلاحية كبرى، تجمع بين الجذري والفوري والمرحلي، في سياق يوظّف كل تلك الأدوات والمجالات ضمن رؤيةٍ متكاملةٍ لتلك العمليات في ميادين التغيير والإصلاح.

لا يوجد في حقل الظواهر السياسية والإنسانية في مجتمعاتنا الداخلية أو المحلية، وكذلك في البيئة الإقليمية والمنظومة الدولية، أي أمر يتمتع باليقين

ومن المهم في هذا المقام أن نؤكّد أن السياسة كما تصورناها آنفا بأنها القيام على الأمر بما يصلحه في سياق إعادة الاعتبار لمفهوم السياسة، وارتباطه باستراتيجيات الإصلاح الكبرى إنما يدور ضمن مقدّمات خمسة، وجب علينا أن نتصوّر عمليات التغيير في إطارها؛ فالإصلاح، بهذا الاعتبار؛ إرادة قوية، واستطاعة مرعية، وأدوات وآليات ملائمة ومرضية، وتبصّر بالسنن الأساسية. ومن جانبها، تتطلب تلك العمليات بأسرها مراجعاتٍ ومتابعاتٍ تقويمية؛ هذه الأصول الخمس تربط معادلة الإصلاح ارتباطا استراتيجيا بهذا التغيير الكبير ضمن هذه الدعوة الإيمانية الكلية {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود – الآية 88]، هذه الخماسية الناهضة والرافعة والدافعة لكل فعل تغييري هي التي تضمن لتلك التصورات والإدراكات والاستراتيجيات والسياسات قدرا مهما من التفعيل والفاعلية، ولعلّ هذه الأمور جميعا ضمن تدبرها تفرض على هذا الفريق مجموعة من المهام الأساسية.

هذا التغيير الكبير واستراتيجيات الإصلاح المرتبطة به تتطلب تلك الأمور التي تتعلق بضرورة تكوين عقل استراتيجي قادر على تبصّر عملية التغيير وإدارته، وتدبير كل الشؤون المتعلقة به، سواء تعلق الأمر بمساراته أو بمجالاته أو بمآلاته، وفي مقدمة تلك المهام، بالنسبة لهذه القوى التي تتعلق بالمقاومة والتغيير، أن تقوم في ظل هذه الظروف غير المواتية، وضمن تلك الهجمة الكبرى من هؤلاء الذين يضادّون هذا التغيير، رغم أنهم يقومون بعمل مضاد للسنن وحركة التاريخ، فإنه من المهم أن ندبر أمر تلك الأهداف المرحلية التي يجب أن نسعى إليها في عمليات التغيير والإصلاح؛ أول هذه المهام تقليل الخسائر، وثانيتها تتعلق بالحفاظ على الخمائر، وثالثتها ترتبط بإعداد الكوادر، ورابعتها تتمثل في تكوين البصائر عملا وتدبيرا.

كل تلك الأمور إنما تشكّل متطلبات أساسية في هذا التغيير الاستراتيجي القائم، وضمن تصوّرات ذلك الشأن المتعلق باستراتيجيات الإصلاح، وكذلك من المهم أن نعتمد، في هذا المقام، على كل المسالك التي تنهض في دعم تلك العمليات المصاحبة للتغيير والإصلاح، اعتمادا لنظرية الساقين، وتكامل العمل في هذا التغيير ما بين السياسي والثوري، فليس من الضروري النظر أن يكون السياسي بالخصم من الثوري، أو يكون الثوري بالانتقاص من استثمار كل الفرص السياسية، بل من اللازم أن نُحدث ذلك التكامل الواجب، والتوازن المطلوب بين المسلكين في سياق تيسير كل ما يتعقل بعمليات التغيير على قاعدة أن “اختلاف المسالك راحة للسالك”، على أن يكون هذا العمل، وبشكل دائم وذلك التصور الاستراتيجي، يدعم كل منهما الآخر، لا ينقضه ولا ينفيه، ولا يستبعد أيا من تلك الأدوات التي يمكن أن تسهم في هذا التغيير الاستراتيجي الكبير، وتدعم أهله وأصحاب المصلحة فيه. ومن هنا، العمل في هذا السبيل وضمن هذا التصوّر يجعل من الأهمية تبصّر تلك الأمور التي تتعلق بالمتون والهوامش على عمليات التغيير واستراتيجيات الإصلاح.

مقالات ذات صلة

في تفكيك مقولة “المغلوب مولع بتقليد الغالب”
الاستبدادالمقالات

في تفكيك مقولة “المغلوب مولع بتقليد الغالب”

يتناول المقال تفكيك مقولة ابن خلدون “المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب”، التي تُستخدم لتفسير العلاقة بين الغالب والمغلوب في سياق الظاهرة الاستبدادية. يشير المقال إلى أن هذه المقولة تعبّر عن حالة نفسية وجمعية تتعلق باعتقاد المغلوب بكمال الغالب، مما يؤدي إلى الانقياد والاقتداء. يناقش المقال أن هذه الحالة تُستخدم لتبرير الاستبداد، مع التأكيد على أن ابن خلدون يرى أن هذا الاعتقاد خاطئ ويعكس “تغالط النفس”. كما يؤكد على أهمية فهم القابليات النفسية والاجتماعية التي تدفع المغلوبين لتقليد الغالبين.

تفكيك مقولة “السلطان ظلّ الله في الأرض”
الاستبدادالمقالات

تفكيك مقولة “السلطان ظلّ الله في الأرض”

يتناول المقال تفكيك مقولة “السلطان ظل الله في الأرض”، التي تُستخدم لتبرير الاستبداد وإضفاء قداسة على الحكام. يشير المقال إلى أن هذه المقولة تعاني من التباس بين النظرية الثيوقراطية الغربية والفكر الإسلامي، مؤكدًا أن الإسلام يرفض إضفاء القداسة على الحكام. يناقش المقال أن هذه المقولة تُستخدم لتسويغ الاستبداد والخضوع للسلطة، مع التأكيد على أن السلطة في الإسلام هي مسؤولية بشرية وليست مقدسة.

تفكيك مقولة “الاستبداد شرقيّ”
الاستبدادالمقالات

تفكيك مقولة “الاستبداد شرقيّ”

يتناول المقال تفكيك مقولة “الاستبداد الشرقي”، التي تُستخدم لربط الاستبداد بالشرق كسمة ثقافية وحضارية. يشير المقال إلى أن هذه المقولة تعاني من تعميم خاطئ وتجاهل للسنن التاريخية والقدرة على التغيير. يناقش المقال أن الاستبداد ليس حكرًا على الشرق، بل ظاهرة عالمية تظهر في مختلف الثقافات والحضارات. كما يؤكد على ضرورة تفسير الظاهرة الاستبدادية بأسبابها الحقيقية، ورفض النظريات العنصرية التي تسوّغ الاستبداد كقدر حتمي للشرق.