الثورة والتوازن المفقود.. النقد الذاتي (18)

الثورة والتوازن المفقود.. النقد الذاتي (18)

نشر المقال في “عربي21” بتاريخ: 16مارس 2018

هنا لا بد وأن نتذكر في الثمانية عشر يوما إبان ثورة يناير؛ كيف برز دور المجلس العسكري الذي تكون بشكل أو بآخر ليقوم بمهمة ربما خططها لنفسه؟ ذلك أن الثورة بوقائعها كانت عملية تدافع بين سلطة مبارك وبين الشعب، بينما المجلس العسكري كان يختبر موقفه وقوته، ويحاول بكل شكل أن يكون له التأثير الكبير في مجرى الأحداث، وصار يشكل من نفسه طرفا يبدو كطرف ثالث في هذه المعادلة. هذا ما استطاع أن يلقي به في روع عموم الناس والثوار من جهة، ومبارك ومساعديه من جهة أخرى، والجيش ممثلا في المجلس العسكري يتلمس موقفا أشبه ما يكون بمسك العصا من الوسط في محاولة لترويج لمقولة “أن الشعب والجيش يد واحدة”. بدت هذه المعادلة في عملية التدافع تلك في شكل متأرجح، ولا بد أن نتذكر هنا كيف أن طائرات الجيش قد حلقت على ارتفاع منخفض في عملية استعراض قوة لم يستطع أحد في أوانها أن يؤولها. فالبعض يتحدث عن أنها كانت عملية ترويع للمتظاهرين، والبعض الآخر أكد أنها عملية تأييد لمنظومة السلطة ممثلة في نظام مبارك، والبعض الآخر قال إن الجيش أراد أن يستعرض قوته أمام الطرفين. وأيا كان التأويل والتفسير، فإن الأحداث بعد ذلك لعب فيها المجلس العسكري دورا غامضا ومجهلا.

بحكم المعلومات التي تواردت في ذلك الحين وبعد ذلك، فإن “موقعة الجمل” ربما شاركت فيها أجهزة من حلفاء مبارك، إلا أنني أستطيع أن أقول إن هذا الحدث كان صناعة المخابرات الحربية

ونستطيع أن نقول إنه مارس دورا في بعض مظاهره مطمئنا لجموع المتظاهرين، وفي أحيان أخرى قام بأدوار مضادة خاصة ضمن جهازه المريب الذي تمثل في “مخابرات السيسي الحربية”. وبحكم المعلومات التي تواردت في ذلك الحين وبعد ذلك، فإن “موقعة الجمل” ربما شاركت فيها أجهزة من حلفاء مبارك، إلا أنني أستطيع أن أقول إن هذا الحدث كان صناعة المخابرات الحربية، أو على الأقل كان ضمن دائرة تحكمها وتمريرها على نحو معين؛ في اختبار لقوة المتظاهرين وإصرارهم على الثورة والوقوف في مواجهة رأس السلطة ممثلة في مبارك. ونظن أن أمورا ستتكشف لتؤكد هذه الرؤى، ومن خلال وثائق تتعلق بلجان تقصي الحقائق، وهذه السردية الأخرى التي قام بحبسها وحبس كل من تعرف على طرف منها أو من معلوماتها، ومحاكمتهم الانتقائية الانتقامية التي لا تزال تتم بأشكال مختلفة. كانت موقعة الجمل بتدبير السيسي في محاولة لاختبار قوة المتظاهرين، وحينما أبلى هؤلاء بلاء حسنا في مواجهة كبرى، كانت مفصلا في الثورة المصرية، كان على المجلس العسكري أن يدبر أمره في مسار مختلف يضمن عملية تحكمه في مسار الأحداث على نحو أو آخر.

وحينما أتت الأحداث على نحو تدافع في مصلحة الميدان، كان هؤلاء في المجلس العسكري من قادة العسكر يرسمون صورة لأنفسهم وكأنهم مع الثورة ومع الثوار. كانت تلك هي المسألة، وكان الأمر يسير في إطار موازين سلطة داخل منظومة مبارك، ومنها المجلس العسكري الذي استطاع أن يشكل رقما في هذه المعادلة، وبدا أنه يطور أمرا يتعلق به ليعمل لحسابه؛ مفترضا إمكانية التضحية بـ”مبارك”. تبدو هذه المسألة بعد ذلك في إعلان معادلة مفروضة من المجلس العسكري، والتي ظهرت بوادرها في البيان العسكري الأول الذي بدا يؤهل نفسه كمجلس لالتقاط السلطة بعد تدحرجها عن حجر مبارك، وفي إطار تخطيط يقوم بموجبه هو بتولي كامل السلطة كمجلس عسكري، بعد أن قام المجلس ذاته بتدبير محاولة اغتيال عمر سليمان، بل وأرغمه على أن يعلن هو بيان تنحي مبارك وتولي المجلس السلطة؛ في عمل خارج إطار القواعد. وبتخطيط مسبق، استطاع هؤلاء أن يكتبوا لأنفسهم حكما مباشرا عدّوه انتقاليا، لكنه كان في واقع الأمر يدبر باستمرارية النظام ولكن من غير مبارك.

كان هؤلاء في المجلس العسكري من قادة العسكر يرسمون صورة لأنفسهم وكأنهم مع الثورة ومع الثوار

كانت تلك أهم بدايات معادلة التوازن المفقود التي أشرنا إليها في عنوان تلك المقالة، لنؤكد هنا أن الجيش نصب نفسه ضابطا لإيقاع منظومة بديلة، ولكنها من داخل النظام. كان ذلك انتقالا في الشكل ونشلا لثورة يناير في الجوهر والحقيقة، بطريقة نظن أنها انطلت على الثورة والثوار قبل أن تخيل على عموم الناس والشعب، ومن ثم كان ذلك الحدث الذي تعلق بالثورة، في عملية ساخرة وغير مفهومة.. أن تقوم الثورة والثوار بترك الميدان والذهاب إلى بيوتهم. هكذا امتلك العسكر منظومة الحكم مرة أخرى مشكلين خطة تلاعب لفترة الانتقال والتعامل معها على نحو خطير يضمن سيطرة هؤلاء على الأحداث بل واصطناعها في إطار صناعة أمرين: صناعة الفرقة وصناعة الفوضى، وبدا من تزاوج هذين المسارين حالة أسميتها في ذلك الوقت “الإدارة بالكوارث”.. كوارث عدة متتالية وضبط واقع مطالبات ثوار في مليونيات متتابعة.

الانقلاب العسكري قد خطط لحكم العسكر، وقد بدت الثورة تخط سياقا مدنيا للسلطة، فإذا بهؤلاء يدبرون أمرا يتعلق بسيطرة العسكر على الأحداث؛ في مزاوجة بين منظومة حكم وزخم ثورة بمليونياتها

أردت بذلك أن أؤكد على أمر في غاية الأهمية هو أن الانقلاب العسكري قد خطط لحكم العسكر، وقد بدت الثورة تخط سياقا مدنيا للسلطة، فإذا بهؤلاء يدبرون أمرا يتعلق بسيطرة العسكر على الأحداث؛ في مزاوجة بين منظومة حكم وزخم ثورة بمليونياتها، وبادرت بالجمع بين سلطة مدنية حرص العسكر على أن تبدو في أضعف حالاتها، وحالة عسكرية متحكمة تحكم قبضتها.

وهنا أتذكر حدثا مهما فيما يتعلق بصناعة الفرقة ضمن تخطيط يتعلق باستفتاء آذار/ مارس، بدت معركة الاستقطاب الأولى حول الدستور أولا أو الانتخابات أولا، وبدت هذه المعركة يغذيها المجلس العسكري باستمرار، في محاولة من صناعة غطاء يتعلق بشرعية “استفتاء مارس”. وفي حقيقة الأمر أن ذلك لم يكن إلا أمرا خطيرا استند فيه إلى “نعم” التي جاء به استفتاء آذار/ مارس، وعمل بكل أمر يتعلق بـ”لا”، بل إنه لم يتقبل فكرة تعديل دستور 1971، ولذلك صاغ إعلانا دستوريا بطريقته؛ أدخل فيه بعض مواد التعديل، وهو أمر خارج عن حقيقة الاستفتاء وحجيته، فاستطاع المجلس العسكري بذلك أن يُحكم قبضته مرة أخرى على واقع ومفاصل الأحداث، ورسمها على طريقته ضمن استراتيجيته في صناعة الفرقة والفوضى.

كان ذلك انطباعي الأول للتعبير عن فترة سيكون فيها حالة من التوازن المفقود: ثورة لا تحكم، وعسكر تلقف السلطة ويحكم بدعوى إدارة المرحلة الانتقالية

وهنا يجب أن أحكي قصة حضرتها ضمن اجتماع دُعينا إليه من المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، وحضره البعض، وكان ذلك بمناسبة التشاور حول قانون الانتخاب الذي ينظم الانتخابات البرلمانية آنذاك، ونظرا لأنني كنت في مجرد إجازة في آخر شهر آذار/ مارس وأوائل شهر نيسان/ أبريل، فقد كان هذا الاجتماع خلال هذا الشهر ضمن مجموعة من القانونيين والسياسيين، سأذكر الأسماء تفصيلا في ما أنوي من كتابته من مذكرات حول هذه الأحداث، ولكنني أؤكد أنني في هذا اليوم قد ذهب بي ابني الكبير إلى مقر وزارة الدفاع، حيث جرى الاجتماع، وانتظرني أكثر من ست ساعات استغرقها ذلك الاجتماع، وحينما دخلت إلى السيارة راكبا للعودة بادرني بالسؤال: “إيه الأخبار؟”، فقلت له نصا: “جماعة المجلس العسكري دول هيلعبوا بينا”. كان ذلك انطباعي الأول للتعبير عن فترة سيكون فيها حالة من التوازن المفقود: ثورة لا تحكم، وعسكر تلقف السلطة ويحكم بدعوى إدارة المرحلة الانتقالية. في معادلة التوازن المفقود تلك يجدر بنا أن نتحدث في مقال آت عن ضعف طرف الثورة ومن يمثلها، والذي يشكل نقدا للحالة الثورية التي للأسف الشديد “روّحت”، وذهب الثوار إلى بيوتهم، وتحكم العسكر وحكموا. من هنا اختل ميزان الثورة منذ أيامها الأولى.

مقالات ذات صلة

القوى السياسية وممارسات النقد الذاتي (35)
المقالاتالنقد الذاتي

القوى السياسية وممارسات النقد الذاتي (35)

المقال يناقش أهمية النقد الذاتي بين القوى السياسية المختلفة في مصر لمراجعة مواقفها ورؤاها بعد الثورة، مسلطًا الضوء على الأزمات التي تواجه هذه القوى، مثل أزمة الرؤية والموقف وأزمة الأمراض النفسية الجماعية التي أثرت على قدرتها على مواجهة الاستبداد. كما يشير إلى أهمية الدراسات البحثية في نقد الأداء السياسي كوسيلة لتحسين الوضع الثوري.

فجوة الخطاب.. النقد الذاتي (34)
المقالاتالنقد الذاتي

فجوة الخطاب.. النقد الذاتي (34)

المقال يتناول أهمية تطوير خطاب المعارضة في مواجهة النظام الانقلابي في مصر، مشددًا على أن الخطاب لا يجب أن يكون منفصلًا عن الفعل، بل يجب أن يعكس القضايا الحقيقية للناس ويحفزهم نحو العمل. يناقش ضرورة أن يتبنى الخطاب قضايا معاش الناس وحقوقهم، ويقدم إستراتيجية توعية تتناول الفقر، البطش، والإفقار. يؤكد على أن الخطاب يجب أن يعزز الاصطفاف بين القوى المختلفة ويكافح الاستقطاب، كما يشدد على دور الخطاب الإعلامي في كشف انتهاكات النظام وبناء رؤية مستقبلية لدولة مدنية عادلة.

فجوة الدور ومعارضة الخارج.. النقد الذاتي (33)
المقالاتالنقد الذاتي

فجوة الدور ومعارضة الخارج.. النقد الذاتي (33)

المقال يتناول التحديات التي تواجه المعارضة والمقاومة للنظام الانقلابي في مصر، مُركزًا على كيفية تدهور فعالية المعارضة بسبب الانقسامات والتباينات بين القوى السياسية المختلفة. يسلط الضوء على الفجوات بين معارضة الداخل والخارج، والمشكلات التي واجهتها القوى السياسية في تنسيق الجهود وبناء استراتيجيات فعّالة. يشير إلى أن المعارضة لم تتمكن من تحقيق أهدافها بسبب عدم التنسيق بين الكيانات المختلفة، تباين الخطاب الإعلامي، وصعوبات بناء استراتيجية واضحة لمواجهة النظام. يعرض المقال الأزمات الثلاثة التي تعاني منها المعارضة: أزمة الاصطفاف، أزمة التنسيق، وأزمة الخطاب، ويؤكد أن هذه الأزمات أثرت بشكل كبير على قدرة المعارضة على مواجهة النظام الانقلابي بفعالية.